الشيخ محمد رشيد رضا
8
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
موسى عليه السّلام يحذرهم أشد التحذير من مفاسد الوثنيين بعده فان قلت : ان هذا الاصلاح بتربية أمة واحدة على هذه الطريقة ، بمثل هذه الشريعة ، يترتب عليه مفاسد أخرى في اخلاق هذه الأمة ، ولو لم يكن من مفاسده الا ما هو معروف من أخلاق اليهود إلى الآن ، التي كانت سبب اضطهاد الأمم لهم في كل مكان ، من حرصهم على الانتفاع من غيرهم ، وعدم نفع أحد بشيء منهم ، الا إذا كان وسيلة لمنفعة لهم أكبر منه أو دفع ضرر ، وتجرد السواد الأعظم منهم عن إيثار أحد غريب عنهم بشيء - لكفى ، وكان شبهة عظيمة على كون دينهم ليس من عند اللّه تعالى ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) والجواب عن هذه الشبهة سهل على المسلمين ، وبيانه : ان تلك الشريعة كانت مؤقتة لا دائمة ، فكانت في العصر الأول هي الوسيلة إلى تكوين أمة موحدة بين أمم الوثنية ، وكان المصلحون من الأنبياء صلوات اللّه عليهم يتعاهدون أهلها زمنا بعد زمن بالاصلاح المعنوي ، كإلهيات زبور داود وأدبيات حكم سليمان عليهما السّلام ، حتى لا تغلب على القوم المادية وتفسدهم الأثرة ، ثم جاء مصلح إسرائيل الأعظم عيسى المسيح صلوات اللّه وسلامه عليه بنقض ما كانوا عليه من ذلك بدعوتهم إلى نقيض ما كانوا عليه ، فقابل مبالغتهم في المادية بالمبالغة في الروحانية ، ومبالغتهم في الأثرة بالمبالغة في الايثار ( الذي تعبر عنه النصارى بانكار الذات ) ومبالغتهم في الجمود على ظواهر الشريعة بالمبالغة في النظر إلى مقاصدها . فكرّه إليهم السيادة والغنى ، وذم التمتع بنعيم الدنيا ، وأمر بمحبة الأعداء ، وعدم الجزاء على الايذاء - وكان ذلك كله تمهيدا لإكمال اللّه تعالى دينه بارسال خاتم النبيين والمرسلين . محمد المبعوث رحمة للعالمين ، البارقليط روح الحق . الذي يعلمهم ويعلم غيرهم كل شيء ، فيجمع للبشر بين مصالح الروح والجسد ، ويأمر بالعدل والاحسان لا بالاحسان فقط فمن لم يؤثر فيهم إصلاح المسيح من اليهود ظلوا على جمودهم وأثرتهم وعصبيتهم ، وكانوا أشد عداوة لهذا النبي ومن آمن به ممن أثر فيهم ذلك الاصلاح ، وكان فيهم بقية من القسيسين والرهبان ، سواء كان أصلهم من اليهود أو غيرهم