الشيخ محمد رشيد رضا

76

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فحوى الآية . وهو انه لا جناح على من كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها لأن العمدة في الدين هو التقوى لا أمر الطعام والشراب الذي لا يحرم منه شيء الا لضرره وإذا لم يراع سبب النزول في تفسير الآية فلا يمكن ان يقال إن معناها « ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات إثم فيما يشربون من الخمر » بعد القطع بتحريمها وتأكيده بما في سياق آيات التحريم من المؤكدات : لأن كلمة [ طعموا ] لا مدلول لها في اللغة الا على أكل الطعام في الماضي أو تذوق كل ما له طعم من طعام وشراب بمقدم الفم في الزمن الماضي أيضا ، ولو صح ان يكون معنى الآية ما ذكروه لكان نسخا لتحريم شرب الخمر متصلا بالتحريم المؤكد ، أو تخصيصا له بغير أهل التقوى الكاملة من المؤمنين الصالحين . وليس لهذا نظير في الاسلام ، ولا في غيره من الشرائع والأديان ، ولا يتفق مع بلاغة القرآن فان قيل : ان الافعال الماضية إذا وردت في سياق الاحكام التشريعية والقواعد العلمية تفيد التكرار الذي يعم المستقبل ، بمعنى ان هذا الفعل كلما وقع كان حكمه كذا - فلم لا يجوز على هذا ان يكون معنى الآية رفع الحرج والمؤاخذة عن المؤمن إذا شرب قليلا من الخمر بالشروط الشديدة المبينة فيها ، ويدخل في عموم التقوى منها ان لا يسكر ولا يكون بحيث توقع الخمر بينه وبين أحد من الناس بغضا ولا عداوة ولا بحيث تصده عن ذكر اللّه وعن الصلاة ؟ قلت : ان الطعم في اللغة لا يدل على الشرب القليل ولا الكثير بل على ذوق المشروب بمقدم الفم ، أو إدراك طعمه من ذوقه بهذه الصفة كما حرره الجوهري وتبعه ابن الأثير في النهاية ، وقد مر بيان ذلك . وأنت ترى الفرق الجلي بين الشرب الكثير والشرب القليل وبين طعم الماء بتذوقه في قصة طالوت ( 2 : 249 قال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ - فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ، إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ . فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) فقد جعل هذا الابتلاء على ثلاث مراتب : الأولى البراءة ممن شرب حتى روي ، والثانية الاتحاد التام بمن لم يذق طعمه البتة ، والثالثة بين بين وهي لمن أخذ غرفة بيده فكسر بها سورة الظمإ ولم يكرع فيروه . هذا ما جرينا عليه في تفسير الآية ( ص 478 ج 2 ) وهو ما تعطيه