الشيخ محمد رشيد رضا
664
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذه الحرية ولم يجبرهم على الايمان إجبارا وهو قادر على ذلك ، ثم عطف على هذا الارشاد النهي عن سب آلهتهم ، وطلب بعضهم للآيات وحقيقة حالهم فيها فقال : * * * وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ أي ولا تسبوا أيها المؤمنون معبوداتهم التي يدعونها من دون اللّه لجلب النفع لهم أو دفع الضر عنهم ، بوساطتها وشفاعتها عند اللّه لهم ، فيترتب على ذلك سبهم للّه سبحانه وتعالى عدوا أي تجاوزا منهم في السباب والمشاتمة التي يغيظون بها المؤمنين إلى ذلك بغير علم منهم ان ذلك يكون سبا للّه سبحانه لأنهم وهم مؤمنون باللّه لا يتعمدون سبه ابتداء عن روية وعلم بل يسبونه بوصف لا يؤمنون به كسبهم لمن أمر النبي ( ص ) بتحقير آلهتهم أو لمن يقول إنها لا تشفع ولا تنفع أو يقولون قولا يستلزم سبه بحيث يفهم ذلك منهم وان لم يعلم ذلك قائله - وهذا مما يجب اجتناب سببه حتى على القول بأن لازم المذهب ليس بمذهب - أو يقابلون الساب لمعبودهم بمثل سبه يريدون محض المجازاة فيتجاوزونها كما يقع كثيرا من المختلفين في الدين والمذهب : يسب نصراني نبي المسلم فيسب المسلم نبيه ويريد عيسى ( عليهما الصلاة والسّلام ) ويسب شيعي يلاحي سنيا وبماريه أبا بكر فيسب عليا ( رضي اللّه عنهما ) والأول يعلم أن سب عيسى كفر كسب محمد ( ص ) ، والثاني يعلم أن سب علي فسق كسب أبي بكر ( رض ) . ومثل هذا يقع كثيرا ، بل كثير ما يتساب أخوان من أهل دين واحد يسب أحدهما أب الآخر أو معبوده فيقابله بمثل سبه ، يغيظه بسب أبيه مضافا اليه ويعده إهانة له فيسبه مضافا إلى أخيه إهانة لأخيه . وهذا كله من حب الذات والجهل الحامل على المعاقبة على الجريمة بارتكابها عينها ، يهين والده المعظم عنده ومعبوده الذي هو أعظم منه احتماء لنفسه وعصبية لها . وقد جاء في الصحيحين عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعا « من الكبائر شتم الرجل والديه » قالوا يا رسول اللّه وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال « يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه » فالمراد بالعلم المنفي على هذا العلم الحضوري الباعث على العمل وهو إرادة السب التي يقصد بها إهانة المسبوب فان هذا الساب هنا لا يتوجه قصده الا إلى إهانة مخاطبه الذي سبه . ويجوز أن يراد بالعلم المنفي اعتقاد الساب ان خصمه لا يعبد اللّه تعالى بل يعبد الها آخر لأنه