الشيخ محمد رشيد رضا
660
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أنزل لأجلها ، أو التي من شأن القرآن في نفسه أن يكون علة وسببا لها ، وانما معناه أنه يترتب على وجوده إعراض فاسدي الفطرة عنه ، وضلالهم بسبب الكفر به ، فهو بمعنى العاقبة التي تترتب على انزاله ، كما يترتب على جميع المنافع التي خلقها اللّه للناس في الأنفس والآفاق ، مضار كثيرة من سوء الاستعمال وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي ولنبين هذا القرآن المشتمل على ما ذكر من تصريف الآيات ، الذي يقول فيه بعض المكابرين إنه اثر درس واجتهاد ، أو لنبين التصريف المفهوم من « نُصَرِّفُ » لقوم يعلمون بالفعل أو بالاستعداد ، الذي لا يعارضه تقليد ولا عناد ، ما تدل عليه الآيات من الحقائق ، وما يترتب على الاهتداء بها من السعادة . فعلم من عطف هذا على ما قبله أن الذين يقولون للرسول انك درست أو دارست حتى جئت بهذه الآيات المنزلة ، إذ كانت أثر الدرس أو المدارسة ، هم الجاهلون الذين لم يفهموا تلك الآيات ، التي صرفها اللّه على أنواع وأشتات ، أو لم يفقهوا سرها ، وما يجب من ايثارها على منافع الدنيا بأسرها ، وأما الذين يعلمون مدلولاتها ، وحسن عاقبة الاهتداء بها ، فهم الذين يتبين لهم بتأملها حقيقة القرآن ، أو ما في التصريف من أنواع البيان ، المؤيد بالحجة والبرهان . وللمفسرين في الآية أقوال أخرى منقوضة ( منها ) قول بعضهم ان المراد بدارست قارأت اليهود فحفظت عنهم بعض معاني هذه الآيات ، وينهض هذا بما هو معلوم على سبيل القطع من نزول هذه السورة في أوائل البعثة بمكة ولم يكن النبي ( ص ) لقي أحدا من اليهود إذ لم يكونوا من أهلها ، ولو تلقى عنهم كتبهم بالمدارسة لما سكتوا عن بيان ذلك لمشركي مكة حين أرسلوا إليهم يسألونهم عنه ولغيرهم من قومهم ومن المشركين ، ولان ما جاء به ( ص ) مهيمن على كتبهم ( 4 : 51 ) قد بين أن ما عندهم محرف وفيه زيادة عما جاء به أنبياؤهم ونقص بما نسوا منه كما بينا ذلك في تفسير أول سورة آل عمران وتفسير النساء ( 4 : 44 ) والمائدة ( 5 : 14 ) - فيراجع في الجزئين 5 و 6 من التفسير - كما أنه بين لهم كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب ( س 5 : 16 ) وهو من جهة أخرى أتم وأكمل لأنه خاتم النبيين ، الذي أكمل اللّه على لسانه الدين . ( ومنها ) قول آخرين ان « ليقولوا دارست » على النفي أي لئلا يقولوا