الشيخ محمد رشيد رضا
661
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذلك ، قاله ابن جرير ونقله الرازي عن القاضي من المعتزلة ورده أشد الرد وله الحق ، ولكنه غير مصيب في جعل العبارة مما يحتج به على الجبر أو القدر ( ومنها ) قول الرازي ان الكفار كانوا يقولون في نزول القرآن نجوما : ان محمدا يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها ولو كانت وحيا لجاء بها دفعة واحدة كما جاء موسى بالتوراة دفعة واحدة ومن ثم كان تصريف الآيات حالا فحالا هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن القرآن نتيجة مدارسة ومذاكرة مع آخرين . ونقول إن هذا الكلام رأي ملفق لا يصح به في جملته نقل فالعرب لم تكن تعتقد أن موسى جاء بالتوراة جملة واحدة من عند اللّه ولا أهل الكتاب وانما تلك الوصايا العشر فقط ، وسائر أحكام التوراة نزلت متفرقة بحسب الوقائع في أمكنة مختلفة كالقرآن . وتلك الوصايا لا تبلغ عشر هذه السورة ( الانعام ) التي نزلت جملة واحدة كما أثبتنا ذلك في أول تفسيرها بل لا تزيد على نصف العشر الا قليلا . ولعل كثرة ما فيها من الآيات البينات على أصول الدين هو الذي حمل بعض المفسرين على القول بأن معنى ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ) ولئلا يقولوا درست ، فان المجيء بهذه الآيات الكثيرة المنتظمة للحجج والبراهين المختلفة دفعة واحدة من شأنه أن يمنع المنصف من دعوى اقتباس القرآن بالمدارسة مع آخرين ، وأين هؤلاء المدارسون ؟ ولم لم يظهر من أحد منهم ولا من الرسول نفسه في مدة أربعين سنة شيء من هذه المعارف العالية . والبلاغة المعجزة ، كلا انما قالوا ذلك جحودا ومكابرة ، وربما نطق به بعضهم بادي الرأي من غير تفكر في مخالفته لما هو معلوم بالضرورة عندهم من كونه أميا وكونه احتج على جمهورهم في ذلك بمثل قوله تعالى فيه ( 10 : 16 قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) وقوله ( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) وهذه تدل على أنهم لم يرتابوا وانما هي المكابرة . * * * اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بعد ان بين تعالى لرسوله ان الناس فريقان فريق قد فسدت فطرتهم ولم يبق فيهم استعداد للاهتداء بتلك البصائر المنزلة ، ولا للعلم بما فيها من تصريف الآيات البينة ، فحظهم منها مكابرتها ، وجحود تنزيلها ، وفريق يعلمون ، وبالبيان يهتدون - أمره