الشيخ محمد رشيد رضا

659

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ودارسه مدارسة - من ذلك . قال في اللسان عقب نقله كأنه عانده حتى انقاد لحفظه ثم قال : ودرست الكتاب أدرسه أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه عليّ من ذلك ، والدرسة بالضم الرياضة . ففي كل ما ذكر معنى تكرار العمل ومتابعته حتى بلوغ الغاية منه . قرأ الجمهور ( دَرَسْتَ ) فعلا ماضيا للمخاطب وقرأ بن كثير وأبو عمرو ( دارست ) للمشاركة وهي مروية عن ابن عباس ومجاهد . وقرأ ابن عامر ويعقوب ( درست ) بفتح السين وسكون التاء وهي مروية عن أبيّ وابن مسعود وابن الزبير والحسن . والتعليل في قوله ( دَرَسْتَ ) خاص معطوف على تعليل عام يعرف من القرينة والمعنى وكذلك نصرف الآيات على أنواع شتى ليهتدي بها المستعدون للايمان على اختلاف العقول والافهام ، وليقول هؤلاء المشركون الجاحدون ، المعاندون منهم والمقلدون ، قد درست من قبل يا محمد وتعلمت ، وليس هذا بوحي منزل كما زعمت ، وقد قالوا مثل هذا إفكا وزورا ، وزعموا أنه تعلم من غلام رومي كان يصنع السيوف بمكة قيل إنه كان يختلف اليه كثيرا ، وذلك قوله تعالى في سورة النحل 16 : 103 وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) أو ليقولوا دارست العلماء وذاكرتهم ، وجئتنا بما تلقيته عنهم ، أو درست هذه العقائد ومحيت ، بمعنى أنها أساطير قديمة قد رثت وخلقت ، وهاتان القراءتان ، في معنى قوله تعالى في سورة الفرقان ( 25 : 4 وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 5 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) وأظهر منه في تأييد القراءة الأخيرة قوله تعالى حكاية عن قوم هود في الشعراء ( 26 : 136 قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ 137 إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ 138 وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) وحكمة القراءات الثلاث حكاية أقوال ثلاث فئات من المشركين ، وهو من ايجاز القرآن العجيب في الكلم والرسم قيل إن اللام في قوله « وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ » للعاقبة والصيرورة أي ليكون عاقبة تصريف الآيات أن يقول الراسخون في الشرك مثل هذا القول مكابرة وعنادا ، وجحودا والحادا ، وقيل إن هذا تعلل صحيح يؤيده قوله تعالى ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) ونقول ليس معنى يضل به كثيرا ان الاضلال من المقاصد التي