الشيخ محمد رشيد رضا
64
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهل يكون عمل الشيطان ، الا موجبا لسخط الرحمن ؟ ( خامسها ) انه جعل الامر بتركهما من مادة الاجتناب وهو أبلغ من الترك لأنه يفيد الامر بالترك مع البعد عن المتروك بأن يكون التارك في جانب بعيد عن جانب المتروك كما تقدم . ولذلك نرى القرآن لم يعبر بالاجتناب الا عن ترك الشرك والطاغوت الذي يشمل الشرك والأوثان وسائر مصادر الطغيان ، وترك الكبائر عامة وقول الزور الذي هو من أكبرها ، قال تعالى ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) وقال ( وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) كما قال ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها ) وقال ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) ( سادسها ) انه جعل اجتنابهما معدّا للفلاح ومرجاة له ، فدل ذلك على أن ارتكابهما من الخسران والخيبة في الدنيا والآخرة . ( سابعها وثامنها ) انه جعلهما مثارا للعداوة والبغضاء وهما شر المفاسد الدنيوية المتعدية إلى أنواع من المعاصي في الأموال والاعراض والأنفس ، ولذلك سميت الخمرة بأم الخبائث وأم الفواحش . وقد قيل إن امرأة فاسقة راودت رجلا صالحا عن نفسه فاستعصم فسقته الخمر فزنا بها وأغرته بالقتل فقتل . حكوا هذا عن بعض الأمم الغابرة ، ومثله كثير في هذا الزمان . وقد قال بعض الفساق في مصر : انه لولا السكر لقل ان يوجد في الناس من يقرب من هؤلاء البغايا العموميات . وقد علم مما تقدم ان هاتين مفسدتان منفصلتان ، لان العداوة غير البغضاء فيجتمعان ويفترقان ، ( تاسعها وعاشرها ) انه جعلهما صادين عن ذكر اللّه وعن الصلاة وهما روح الدين وعماده ، وزاد المؤمن وعتاده ، وقد علم مما تقدم أيضا ان الصد عن ذكر اللّه غير الصد عن الصلاة ( حادي عشرها ) الامر بالانتهاء عنهما بصيغة الاستفهام المقرون بفاء السببية ، وهل يصح الفصل بين السبب والمسبب ؟ وفي الآية التالية ثلاثة مؤكدات أخرى نوردها معدودة مع ما قبلها : * * * ( ثاني عشرها ) قوله عز وجل وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي أطيعوا اللّه تعالى فيما أمركم به من اجتناب الخمر والميسر وغيرهما ، كما تجتنبون الأنصاب