الشيخ محمد رشيد رضا
652
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كل ذلك معنى اللحاق بعد اتباع حسبي أو معنوي . والدرك ( بالفتح ) أقصى قعر البحر ، ومنه ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) قرئ بالفتح والتحريك وقال الراغب الدرج كالدرك لكن الدرج يقال باعتبار الصعود والدرك اعتبارا بالحدور وأدرك بلغ أقصى الشيء وأدرك الصبى بلغ غاية الصبا وذلك حين البلوغ . اه ويقال فيما بعد أو دق وخفي : لا يدركه الطرف ، فان اجتهاد النظر لادراك ما لطف ودق اعمال له كاعماله في محاولة ابصار البعيد . ففي الادراك معنى اللحوق ومعنى بلوغ غاية الشئ ، ومن هنا فسر الجمهور الادراك في الآية برؤية الإحاطة التي يعرف بها كنهه عز وجل فتكون بمعنى ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) نفي إحاطة العلم لا يستلزم نفى أصل العلم ، وكذلك نفي ادراك البصر للشيء لا يستلزم نفى رؤيته إياه مطلقا . وهذا أقوى ما جمع به أهل السنة بين الآية والأحاديث الصحيحة الناطقة برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة من جهة اللغة . ومن سلم للمعتزلة وغيرهم من منكري الرؤية قولهم ان الادراك هنا بمعنى الرؤية مطلقا قالوا إن النفي خاص بحال الحياة الدنيا التي يعهدها المخاطبون ولا يعرفون فيها رؤية الا للأجسام وصفاتها من الاشكال والألوان وهي التي يشترط فيها ما ذكروه كالمقابلة وعدم الحائل . وقالوا إن عائشة كانت تثبت الرؤية في الآخرة وتنفيها في الدنيا حتى عن النبي ( ص ) وهو الذي كان يرى من وراءه كما يرى من أمامه لغلبة روحه الشريفة اللطيفة ، على جثته المنيفة ، وقد جلينا مسألة رؤية الرب في الآخرة في باب الفتوى من مجلد المنار التاسع عشر ( ص 282 - 288 ) وسنعود إليها في تفسير قوله تعالى لموسى عليه السّلام ( لَنْ تَرانِي ) من سورة الأعراف ان شاء اللّه تعالى وهنالك نلمّ بمسلك الصوفية في نفي الادراك واثبات الرؤية للرب ، بتجليه تعالى الذي يكون هو به بصر العبد ، الثابت في الحديث القدسي « ولا يزال عبدي يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » الحديث ، وهو في صحيح البخاري . وخلاصة هذا المسلك انه تعالى هو الذي يرى نفسه بتجليه في بصر عبده ، فما يرى اللّه الا اللّه ، وفاقا لقولهم لا يعرف اللّه الا اللّه وأما قوله تعالى وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فمعناه ان اللّه تعالى يرى العيون الباصرة