الشيخ محمد رشيد رضا
653
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو قوى الابصار المودعة فيها رؤية ادراك وإحاطة بحيث لا يخفي عليه من حقيقتها ولا من عملها شيء . وقد عرف البشر من تشريح العين ما تتركب منه طبقاتها ورطوباتها ووظائف كل منها في ارتسام المرئيات فيها ، وعرفوا كثيرا من سنن اللّه تعالى في النور ووظائفه في رسم صور الأشياء في العينين ، ولكن لم يعرفوا كنه الرؤية ولا كنه قوة الابصار ولا حقيقة النور ، وفي لسان العرب عن أبي إسحاق : أعلم اللّه أنه يدرك الابصار وفي هذا الاعلام دليل على أن خلقه لا يدركون الابصار أي لا يعرفون حقيقة البصر وما الشئ الذي صار به الانسان يبصر من عينيه دون ان يبصر من غيرهما من سائر أعضائه ، فاعلم أن خلقا من خلقه اللطيف الخبير . فاما ما جاء من الاخبار في الرؤية وصح عن رسول اللّه ( ص ) فغير مدفوع وليس في هذه الآية دليل على دفعها لان معنى هذه الآية ادراك الشئ والإحاطة بحقيقته وهذا مذهب أهل السنة والعلم بالحديث اه وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أي وهو اللطيف بذاته الباطن في غيب وجوده ، بحيث تخسأ الابصار دون ادراك حقيقته ، على أنه الظاهر بآياته التي تعرفه بها العقول بطريق البرهان ، الظاهر في مجالي ربوبيته لأهل العرفان ، بتجلياته التي تكمل في الآخرة فيكون العلم به رؤية عيان ، وهو في كل من بطونه وظهوره منزه عن مشابهة الخلق ، فتعالى اللّه الملك الحق . وهو الخبير بدقائق الأشياء ولطائفها ، بحيث لا يعزب عن ادراكه ألطف أرواحها وقواها ، ولا أدق جواهرها واعراضها ، ففي الآية لف ونشر مرتب . اللطيف من الاجرام ضد الكثيف والغليظ فيطلق على الدقيق منها والرقيق ، واللطيف من الطباع ضد الجافي ، قال في اللسان : واللطيف من الاجرام والكلام ما لا جفاء فيه ، وجارية لطيفة الخصر إذا كانت ضامرة البطن ، واللطيف من الكلام ما غمض معناه وخفي ، واللطف في العمل الرفق فيه اه ، وكذا اللطف في المعاملة هو الرفق الذي لا يثقل منه شيء . ويستعمل فعله لازما ومتعديا يقال لطف الشيء ( بوزن حسن ) أي صغر أو دق وصار لطيفا ، ويقال لطف به ولطف له ( بوزن نصر ) وقال ابن الأثير في تفسير اللطيف من أسماء اللّه تعالى : هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل والعلم بدقائق المصالح وايصالها