الشيخ محمد رشيد رضا

640

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

له ، فقال المستقر حاله بعد الموت لأنه ان كان سعيدا فقد استقرت تلك السعادة وأن كان شقيا فقد استقرت تلك الشقاوة ولا تبديل في أحوال الانسان بعد الموت ، وأما قبل الموت ، فالأحوال متبدلة ، فالكافر قد ينقلب مؤمنا والزنديق قد ينقلب صديقا ، فهذه الأحوال لكونها على شرف الزوال والفناء لا يبعد تشبيهها بالوديعة ، وذكر للأصم قولين أحدهما أن المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها والمستودع الذي لما يخلق بعد ، وثانيهما المستقر من استقر في قرار لدنيا ولمستودع من في القبور حتى يبعث ( وانما يظهر وجه هذين القولين على قراءة كسر القاف أو جعل المستقر بفتح القاف مصدرا ( وحكي عن أبي مسلم الاصفهاني أن التقدير - فمنكم مستقر ذكر ، ومنكم مستودع أنثى ، فعبر عن الذكر بالمستقر لان النطفة تتولد في صلبه وعبر عن الأنثى بالمستودع لان الرحم شبيهة بالمستودع . ولعله أخذه الشاعر : وانما أمهات الناس أوعية * مستودعات وللآباء أبناء وأقول ليس في الكتاب العزيز ما نستعين به على تفسير هذه العبارة كد أبنا في تفسير القرآن بالقرآن الا قوله تعالى في سورة الحج ( 22 : 5 يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) الآية . وقوله تعالى في سورة هود ( 11 : 6 وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) قال ابن عباس : مستقرها حيث تأوي ومستودعها حيث تموت . وقال مستقرها في الارحام ومستودعها حيث تموت . فهذا يرجح أن المراد بالمستقر ( بفتح القاف ) الرحم والمستودع القبر . وأما المستقر ( بكسر القاف ) فالظاهر أنه من يطول عمره في الدنيا كأنه قال : فمنكم مستقر في الدنيا يعمر عمرا طويلا ومنكم مستودع لا استقرار له فيها بل تخترمه المنية طفلا أو يافعا ، ويمكن تفسير قراءة الفتح بهذا أي فمنها ذو استقرار وذو استياع . وآخر ما خطر لي بعد تلخص أقوال المفسرين ان المستقر الروح - وهو يذكر ويؤنث - والمستودع البدن . والجملة مما يتسع المجال فيه للتفسير والتقدير والايجاز مقصود به