الشيخ محمد رشيد رضا

641

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ أي قد جعلنا لايات المبينة لسننا في خلق البشر مفصلة . كل فصل ونوع منها يدل على قدرة الخالق وارادته ، وعلمه وحكمته ، وفضله ورحمته ، فصلناها كذلك لقوم يفقهون ما يتلى عليهم أي يفهمون المراد منه ومرماه ، ويفطنون لدقائقه وخفاياه ، فالفقه - وان فسر بالعلم وبالفهم - أخص منهما . قال الراغب : الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم . وقال ابن الأثير في النهاية ان اشتقاقه من الفتح والشق ، وأحسن منه قول الحكيم الترمذي ان فقه وفقا واحد فان الابدال بين الهمزة والهاء كثير . وفقأ البثرة شقها وسبر غورها ، فالفقأ مستعمل في الحسيات والفقه في المعنويات ، والجامع بينهما النظر في أعماق الشيء وباطنه . فمن لا يفهم الا ظواهر الكلام ولا يفطن الا لمظاهر الأشياء لا يقال إنه فقه ذلك ، وانما سمي علم الشرع فقها لما فيه من الاستنباط ، ولما كان استخراج الحكم والعبر من خلق البشر يتوقف على غوص في أعماق الآيات ، وفطنة في استخراج دقائق الحكم والبينات ، عبر عنها بالفقه ، وأما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر فهو من الأمور الظاهرة التي لا تتوقف على دقة النظر ، ولا غوص الفكر ، وكذلك أكثر مظاهر علم الفلك ، فلذلك اكتفى في الآية السابقة لهذه بالتعبير بالعلم الشامل لما لا يشترط فيه دقة الاستنباط كظواهره ولغيره كدقائقه . وقد فطن لذلك الزمخشري - وما أجدره به - فقال ( فان قلت ) لم قيل « يَعْلَمُونَ » مع ذكر النجوم ، و ( يَفْقَهُونَ ) مع ذكر انشاء بني آدم ؟ ( قلت ) لان إنشاء الانس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له اه وتعقبه ابن المنير فزعم أن هذا كلام صناعي وان التحقيق ان اختلاف التعبير للتفنن ، وذكر وجها آخر بناء على زعمه ان الفقه أدنى درجات العلم ، لأنه عبارة عن مجرد الفهم ، وما بني على الفاسد فاسد ، وأين هو في فهم أسرار اللغة من الزمخشري ؟ وأين المقلد لظواهر بعض النقول من الامام اللوذغي ؟ وأيهما السليقي والصناعي ؟ * * * وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً هذه الآية المنزلة مرشدة إلى نوع آخر من آيات التكوين وهو ايجاد الماء ، وانزاله « تفسير القرآن الحكيم » « 81 » « الجزء السابع »