الشيخ محمد رشيد رضا

639

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( بفتح القاف ) حيث يكون القرار والإقامة قال تعالى ( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) * كما قال ( جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً ) قال الراغب : قر في مكانه يقر قرارا إذا ثبت ثبوتا جامدا ، وأصله من القر وهو البرد وهو يقتضي السكون ، والحر يقتضي الحركة اه . والمستودع موضع الوديعة وهي ما يتركه المرء عند غيره موقتا ليأخذه بعد فهي فعيلة من ودع الشئ إذا تركه بمعنى مفعولة . ويكون كل من المستقر والمستودع مصدرا ميميا بمعنى الاستقرار والاستيداع ، ويكون الثاني اسم مفعول بمعنى الوديعة ، ولا يكون الأول كذلك لان فعله لازم الا ما جاء على طريقة الحذف كقولهم ظرف مستقر ، أي مستقر فيه والمعنى انه تعالى هو الذي أنشأكم من نفس واحدة ، وهي إما الروح التي هي الخلق الآخر في قوله تعالى بعد ذكر أطوار خلق الجسد ( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) وإما الذات المركبة من الروح والجسد ، والمراد بها الانسان الأول الذي تسلسل منه سائر الناس بالتوالد بين الأزواج ، وهو عندنا وعند أهل الكتاب آدم عليه السّلام وتقدم مثل هذا في أول سورة النساء مع بحث طويل في تفسيره وسيجيء شبهه في سورة الأعراف . وفي انشاء جميع البشر من نفس واحدة آيات بينات على قدرة اللّه وعلمه وحكمته ووحدانيته ، وفي التذكير به ارشاد إلى ما يجب من شكر نعمته ، ومن وجوب التعارف والتآلف والتعاون بين البشر ، وعدم جعل تفرقهم إلى شعوب وقبائل ، مدعاة للتعادي والتقاتل ، وقد فصلنا القول في هذا المعنى في أول تفسير آية سورة النساء قرأ ابن كثير وأبو عمرو المستقر بكسر القاف والباقون بفتحها . واختلف في المراد بالمستقر والمستودع فروى جمهور رواة التفسير وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : المستقر ( بالفتح ) ما كان في الرحم والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب - وفي لفظ : المستقر ما في الرحم وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حي ومما هو قد مات - وفي لفظ : المستقر ما كان في الأرض والمستودع ما كان في الصلب ، وروي عن ابن مسعود أنه قال في تفسير العبارة : مستقرها في الدنيا ومستودعها في الآخرة ، أي النفس . وفي رواية عنه المستقر الرحم والمستودع المكان الذي يموت فيه . وروي مثله عن الحسن وقتادة . وأورد الرازي قول الحسن مفسرا