الشيخ محمد رشيد رضا

628

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بما كان من جحودهم إياه واستبعادهم لوقوعه ، كما ذكرهم بمشابهة بعثهم واعادتهم لبدء خلقهم ، وهو المثل الذي جاءهم به الرسول ( ص ) من ربهم ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ فلم تقدموا لأنفسكم منه شيئا بين أيديكم . معنى خولناكم أعطيناكم ، وأصل التخويل إعطاء الخول ، كالعبيد والنعم ، ويعبر بالترك وراء الظهر عما فات الانسان التصرف فيه والانتفاع به ، لفقده إياه أو بعده عنه ، وبالتقديم بين الأيدي عما ينتفع به في المستقبل ، فالمراد هنا ان ما كان شاغلا لهم من المال والولد ، والخدم والحشم ، والأثاث والرياش ، عن الايمان بالرسل والاهتداء بما جاؤوا به ، لم ينفعهم كما كانوا يتوهمون أن اللّه فضلهم به على المؤمنين ، وانهم يمكنهم الافتداء به أو ببعضه من عذاب الآخرة ، ان صح قول الرسل ان بعد الحياة الدنيا حسابا وجزاء في حياة أخرى ، وانما كان يمكنهم الانتفاع به لو آمنوا بالرسل وأنفقوا في سبيل اللّه ، ولولا أن هذا هو المراد لاستغنى عن هذه الجملة بما قبلها ، ومثل هذا يقال في قوله وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ فان الأديان الوثنية قائمة على قاعدتي الفداء والشفاعة كما تقدم بيانه مرارا ، أي وما نبصر معكم شفعاءكم - من الملائكة وخيار البشر وغيرهم - أو تماثيلهم وقبورهم - الذين زعمتم في الدنيا انهم فيكم شركاء للّه تعالى ، تدعونهم ليشفعوا لكم عند اللّه ويقربوكم اليه زلفى ، بتأثيرهم في ارادته ، وحملهم إياه على ما لم تتعلق في الأزل به . وقد تقدم شرح هذه العقيدة الوثنية والتفرقة بينها وبين أحاديث الشفاعة في تفسير هذه السورة وغيرها لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ البين الصلة أو المسافة الحسية أو المعنوية الممتدة بين شيئين أو أشياء فيضاف دائما إلى المثنى كقوله تعالى ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ * فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ ) أو الجمع لفظا أو معنى كقوله تعالى ( أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) ولا يضاف إلى الاسم المفرد الا إذا كرر نحو ( هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ * وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ) ويستعمل في الغالب ظرفا غير متمكن وفي القليل اسما . وقد قرأه هنا عاصم وحفص عنه والكسائي بفتح النون أي تقطع ما كان بينكم من صلات النسب والملك والولاء والخلة ، وقدر بعضهم : تقطع الوصل بينكم . وقرأه الجمهور بالرفع