الشيخ محمد رشيد رضا

620

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عظيم القدر ، فتنكيره للتفخيم « أَنْزَلْناهُ » على خاتم رسلنا محمد ( ص ) كما أنزلنا التوراة على موسى من قبل « مُبارَكٌ » باركه اللّه أو بارك فيه بما فضل به ما قبله من الكتب في النظم والمعنى ، وبما يكون من ثباته وبقائه إلى آخر عمر البشر في الدنيا - وهو من البركة وهي بالتحريك النماء والزيادة والسعة النافعة كبركة الماء ومن معاني المادة الثبات والاستقرار كبرك البعير « مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ » وهو ما تقدمه من كتب الأنبياء ، أي مصدق لا نزال اللّه تعالى إياها في الجملة لا لكل ما يعزى إليها بالتفصيل ، وقد ذكر فيه بعض الكتب بأسمائها والصحف مضافة إلى أصحابها ، وذكر بعض قواعدها واحكامها ، على أنه أنزل مهيمنا عليها ، ناعيا على بعض أهلها تحريفهم لها ، ونسيانهم لحظ عظيم منها ، وقد تقدم شرح ذلك في تفسير سورة المائدة وما قبلها . ونقل الرازي في تفسير « مُبارَكٌ » عن أهل المعاني ان معناه كثير خيره ، دائم بركنه ومنفعته ، يبشر بالثواب والمغفرة ، ويزجر عن القبيح والمعصية . ثم فسر ذلك هو : بأن ما فيه من العلوم النظرية فهو أشرفها وأكملها وهو العلم باللّه تعالى وصفاته ، وافعاله وأحكامه وأسمائه ، وما فيه من العلوم العملية لا تجد في غيره مثله سواء كانت أعمال الجوارح أو أعمال القلوب . ثم قال : وأنا قد نقلت أنواعا من العلوم النقلية والعقلية فلم يحصل لي بسبب شئ من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم اه أي علم القرآن بتفسيره فليعتبر بهذا من يضيعون جل أوقاتهم في طلب العلم الديني بعلوم الكلام وغيرها ، مما يعدون الرازي الامام المطلق فيها ، لعلهم يرجعون إلى كتاب اللّه تعالى ويهتدون به ، ويطلبون السعادة من فيضه دون غيره ، ونسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لاتمام تفسيره . وأن يجعله حجة لنا لا علينا بكمال التخلق به ، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها قال الزمخشري : إن هذا عطف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قال : أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه وللانذار . وأختار السعد التفتازاني كونه عطفا على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للانذار - لان عطف الظرف على المفرد كثير في بابي الخبر والصفة ، وفيه بحث . ويجوز أن يكون عطفا على مقدر حذف لدلالة القرينة عليه كفعل التبشير الذي يقابل الانذار وقد جمع بينهما في أول سورة الكهف وآخر سورة مريم وجرى البيضاوي على أن التعليل المحذوف دل عليه المذكور أي ولتنذر أم القرى أنزلناه . وقرأ أبو بكر عن عاصم « ولينذر »