الشيخ محمد رشيد رضا
621
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالاسناد المجازي إلى الكتاب ، وأم القرى مكة والمراد أهلها بالاتفاق ، كنيت بهذه الكنية لأنها قبلة أهل القرى أي البلاد التي يجتمع فيها الناس كبيرة كانت أو صغيرة ، أو لان فيها أول بيت وضع للناس ، أو لأنها حجهم ومجتمعهم ، أو لأنها أعظم القرى شأنا في الدين ، أو لأنهم يعظمونها كالأم ، أو لان الأرض دحيت من تحتها كما روي عن بعض مفسري السلف . والمراد بالأخير انها أول ما ظهر من الأرض اليابسة في الماء ، ولا يعرف مثل هذا الا بوحي صريح . والمراد بقوله تعالى ( وَمَنْ حَوْلَها ) أهل الأرض كافة كما روي عن ابن عباس ، ويقويه تسميتها بأم القرى ، ونحن نعلم الآن علم اليقين أن الناس يصلون متوجهين إلى بيت اللّه فيها ، في جميع أقطار الأرض القريبة منها والبعيدة عنها ، فهذا مصداق كونهم حولها ، وزعم بعض اليهود المتقدمين وغيرهم أن المراد بمن حولها بلاد العرب فخصه بمن قرب منها عرفا ، واستدلوا به على أن بعثة النبي ( ص ) خاصة بقومه العرب . والاستدلال باطل وان سلم التخصيص المذكور ، فان ارساله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى قومه لا ينافي ارساله إلى غيرهم ، وقد ثبت عموم بعثته في آيات أخرى كقوله تعالى في هذه السورة ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) أي وكل من بلغه ووصلت اليه هدايته ، وقد تقدم ، وقوله في أول سورة الفرقان ( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) وقوله في سورة سبأ ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي والذين يؤمنون بالدار الآخرة أو الحياة الآخرة وما فيها من الجزاء على الايمان والاعمال ايمانا اذعانيا صحيحا أو استعداديا قويا سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم يؤمنون بهذا الكتاب المبارك إذ بلغهم أو إذا بلغتهم دعوته لأنهم يجدون فيه أكمل الهداية إلى السعادة العظمى في تلك الدار ، فمثلهم كمثل سفر ضلوا في مفازة من مجاهل الأرض حتى إذا كادوا يهلكون جاءهم رجل بكتاب في علم خرت الأرض وتقويم البلدان فيه بيان مكانهم وبيان أقرب السبل لمنجاتهم ، فإنهم لا يتلبثون بقبوله والعمل به ، وأما المنكرون للبعث والجزاء فلا يشعرون بشدة الحاجة إلى هدايته ، وفي هذا تعريض أو تصريح بسبب اعراض جمهور أهل مكة الأعظم عن هذا الكتاب الذي فيه