الشيخ محمد رشيد رضا
619
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وكذا النصارى - بعد مجيء النبي ( ص ) بهذه الأصول الكاملة في هداية البشر التي أكمل اللّه تعالى بها دينه المطلق الذي أرسل به جميع رسله أن يكونوا أسبق الناس إلى الايمان به كما هو المعهود من كل ذي علم وفن حريص علي الكمال فيه إذا جاءه من يفوقه في العلم به ، أو رأى كتابا فيه يفضل كل ما عرف من كتبه ، ولكن الحسد والعصبية ، وحب الرياسة القومية ، هي التي صدت عن الايمان من صدت من علمائهم المستقلين ، ولا تسل عن حال المقلدين ، وقد اعترف بذلك من آمن من فضلاء المعتدلين . وجملة « وَعُلِّمْتُمْ » الخ حالية وقيل استئنافية بين سبحانه انكار المنكرين للوحي بعبارة تدل على جهلهم ، وترشد إلى البرهان المفند لزعمهم ، وشفعه بأمر الرسول أن يسألهم ذلك السؤال الملجم لهم ، ثم لقنه الجواب الذي كان يجب أن يجيبوا به لو أنصفوا ، وأقروا بالحق واعترفوا ، وما ينبغي أن يعاملوا به وهم جاحدون ، لا ينطقون بالحق ولا يذعنون ، وذلك قوله قُلِ اللَّهُ ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ أي قل أيها الرسول : اللّه أنزله - أي كتاب موسى - ثم دعهم بعد بيان الحق مؤيدا بالحجج ولدلائل ، فيما هم فيه من الخوض في الباطل ، حال كونهم يلعبون كما يلعب الصبيان ، فإنما عليك البلاغ والبيان ، وعلينا الحساب والجزاء . وفي أمر الرسول بالجواب عما سئلوا عنه إيذان بأنهم لا ينكرونه ولا يقولونه ، لما في الانكار من مكابرة النفس ، وما في الاعتراف من خزي الغلب والاقرار بما يجحدون من الحق . وقد قيل : إن الامر بتركهم منسوخ بآية القتال ، ورده الجمهور بأنه لا منافاة بينهما . ومن الجهل باللغة والشرع احتجاج بعض المتصوفة بالآية على شرعية ذكر اللّه تعالى بالأسماء المفردة كتكرار لفظ اللّه ! اللّه ! وغيره من الأسماء الحسنى ، وهم يكررون هذه الأسماء ساكنة لأنها ليست كلاما مفيدا ، والاسم الكريم في الآية مرفوع باجماع القراء لأنه جملة حذف أحد جزئيها لقرينة السؤال التي هي جوابه كما علمت * * * وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي ذلك مالزمكم من أن التوراة كتاب أنزله اللّه على موسى عليه السّلام أي أوحاه اليه ليكتب ويهتدى به ، إلى أن ينزل بترقيته تعالى لاستعداد جملة البشر ما ينسخه ، وهذا « أي القرآن » « كِتابٌ »