الشيخ محمد رشيد رضا
616
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ابن جرير الأول وهو نزول السورة في مكة وكون السياق قبلها وبعدها في محاجة مشركي قريش بأن هذه الآية مستثناة من ذلك كما نقدم فإنها أنزلت في المدينة وأدخلت في هذا الموضع لتكون مقدمة للكلام في بحث الرسالة بعد بحث التوحيد ، وفيه - كما قال - انه ليس في سابق الكلام ذكر اليهود ليعود الضمير إليهم بغير تكلف ، وأجابوا عن اشكاله الثاني وهو كون اليهود يقرون بالوحي ولا ينكرونه من وجوه ( أحدهما ) ان هذا انكار مطلق أريد به المقيد ، وقد بنى الرازي هذا الجواب على قصة مالك بن الصيف التي رويت في المأثور عن سعيد بن جبير - وعزاها الرازي إلى ابن عباس - وهي أنه كان سمينا وهو من أحبارهم فسأله النبي ( ص ) واستحلفه هل يجد في التوراة أن اللّه يبغض الحبر السمين ؟ فقال الكلمة . قال الرازي ومراده ما انزل اللّه على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين ( ثانيها ) أنه قال ذلك في حالة الغضب مبالغة وذكروا أن اليهود سألوه عن قوله هذا فاعتذر بأن النبي ( ص ) أغضبه فقال ذلك أي في حالة الغضب المدهش للعقل أو على سبيل طغيان اللسان ( ثالثها ) انه يجوز أن يكون المراد ما انزل اللّه على بشر كتابا من السماء - أي سفرا مخطوطا - كما روى عن ابن عباس - وهو من تحريفهم فإنهم يعلمون أن الوحي الذي ينزله اللّه ليكتب يسمى كتابا قبل كتابته تجوزا وبعدها حقيقة ( رابعها ) ان مرادهم ما أنزل اللّه عليك من شئ - كما روى عن السدي - فذكر العام وأراد الخاص . واما قراءة « يجعلونه قراطيس » الخ فلا تشكل على هذا الوجه من التفسير فيحتاج إلى الجواب عنها كما تشكل قراءة « تَجْعَلُونَهُ » على الوجه الآخر هذا ما اطلعنا عليه في توجيه القراءتين وفيه من التكلف ما لا يخفى . وقد تقدم في تفسير سياق مثل هذا من هذه السورة أوله ( 20 الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ) ان قريشا أرسلوا إلى المدينة من يسأل اليهود عن رسالة النبي ( ص ) فأنكروا معرفته ، وسيأتي في تفسير سورة الكهف ان قريشا بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود المدينة - وفي رواية أنهم أرسلوا وفدا منهم هذان الزعيمان للكفر - فقالوا لهم : سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول