الشيخ محمد رشيد رضا

617

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه ( ص ) ووصف لهم أمره وبعض قوله وقال : انكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا الخ فهذه الرواية تدل على أن كون التوراة كتابا من عند اللّه لليهود خاصة كان معروفا عند مشركي قريش ، وانهم لهذا أرسلوا وفدا إلى أحبار اليهود فسألهم عن النبي ( ص ) وبذلك يكون الاحتجاج عليهم بالتوراة في هذه السورة التي أنزلت في محاجتهم في جميع أصول الدين احتجاجا وجيها ، ولا يصح ما قاله الرازي من أن المشركين بلغتهم معجزات موسى الدالة على نبوته وكتابه بالتواتر وانهم كذبوا الرسول بسبب طلب مثلها . والذي يتجه على قولنا أن الآية نزلت في ضمن السورة بمكة - كما قرأها ابن كثير وأبو عمرو - محتجة على مشركي مكة - الذين أنكروا لوحي استبعاد الخطاب اللّه للبشر باعترافهم بكتاب موسى وارسالهم الوفد إلى أحبار اليهود واعترافهم بأنهم أهل الكتاب الأول العالمين بأخبار الأنبياء ، فهو تعالى يقول لرسوله ( ص ) : « قل » لهؤلاء الذين ما قدروا اللّه حق قدره من قومك إذ قالوا ما أنزل اللّه على بشر من شيء - كقولهم « أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ؟ » - « مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً » انقشعت به ظلمات الكفر والشرك الذي ورثه بنو إسرائيل عن المصريين « وَهُدىً لِلنَّاسِ » أي الذين أنزل عليهم أخرجوا من الضلال بما فيه من الاحكام والشرائع التي انشأتهم خلقا جديدا فكانوا معتصمين بالحق مقيمين للعدل إلى أن اختلفوا فيه ، ونسوا حظا مما ذكروا به ، فصاروا باتباع الأهواء « تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها » عند الحاجة : إذا استفتي الحبر من أحبارهم في مسئلة له هوى في اظهار حكم اللّه فيها كتب ذلك الحكم في قرطاس - وهو ما يكتب فيه من ورق أو جلد أو غيرهما - فأظهره للمستفتي ولخصومه « وَتُخْفُونَ كَثِيراً » من أحكام الكتاب وأخباره إذا كان لهم هوى في اخفائها ، وذلك ان الكتاب كان بأيديهم ولم يكن في أيدي العامة من نسخه شيء . وهذا الاخفاء للنصوص في الوقائع غير ما نسيه متقدمو اليهود من الكتاب بضياعه عند تخريب القدس واجلائهم إلى العراق المشار اليه بقوله تعالى « فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » خلافا لما توهمه الرازي وغيره . والظاهر أن الآية كانت تقرأ هكذ بمكة وكذا بالمدينة إلى أن أخفى أحبار اليهود حكم « تفسير القرآن الحكيم » « 78 » « الجزء السابع »