الشيخ محمد رشيد رضا
606
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التي يكتفي فيها بالدليل الظني بله هذه المسألة الاعتقادية التي يطلب فيها اليقين ، لان أهون ما قيل فيه انه ضعيف وقيل إنه موضوع ، ولو وجدوا حديثا صحيحا أو حسنا في إثبات رسالة آدم لما لجأوا إلى ذكره وأما مسألة نبوته وهو كونه موحى اليه من اللّه تعالى ففيها حديث آحادي رواه البيهقي وغيره عن أبي أمامة قال إن رجلا قال يا رسول اللّه أنبيا كان آدم ؟ قال « نعم معلم مكلم » وقد فسر المعلم في كتب غريب الحديث بالملهم للخير والصواب . وروي « نبي مكلم » والتكليم أنواع أصولها ثلاثة بينها اللّه تعالى بقوله ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ ) ومنها وحي الرسالة وما دونه ومنها الرؤيا الصادقة كما ورد في التفسير المأثور . وأما حجته من القرآن فيمكن أن تؤخذ من قصة خلقه ومعصيته وتوبته إذ فيها ان اللّه علمه الأسماء كلها وانه تلقى من ربه كلمات فتاب عليه وهداه . ولكن دلالة ما ذكر على نبوته غير قطعية فان الجمهور لا يجعلون كل وحي نبوة لا ما كان بخطاب الملك ولا ما كان بالالهام والنفث في الروع ولذلك لا يقولون بنبوة مريم وأم موسى ، ومن العلماء من قال بنبوتهما ، ثم إنه يحتمل ان يكون خطاب آدم في قصة خلقه من خطاب التكوين لا التكليف كقوله تعالى ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) وقد قال الشاذلي من كبار العلماء والصوفية « وهب لنا التلقي منك كتلقي آدم منك الكلمات ، ليكون قدوة لولده في التوبة والاعمال الصالحات » ولو كان هذا التلقي نصا قطعيا في نبوته لما طلبه هذا العالم العارف باللغة وأساليبها . وقد ادعى الحافظ ابن حجر أن دليل رسالته اننا نعلم بالضرورة انه كان على شريعة من العبادة ، وان أولاده أخذوا ذلك عنه فعلى هذا فهو رسول إليهم فيكون هو أول رسول . وقد يقال إن أخذ أولاده عنه لا يقتضي عقلا ان يكون اللّه قد بعثه رسولا إليهم يبلغهم عنه وجوب الايمان بهذه الرسالة وما يترتب عليها من الانذار والتبشير حتى يكون ذلك معارضا لحديث الشفاعة إذ يجوز ان يكون قد رباهم من الصغر على ما هداه اللّه اليه من الايمان والعمل الصالح كما تقدم عن بعض العلماء . ونزيد عليه ان في القرآن نصا يدل على أنه كان يعلمهم العبادة وأحكام الحلال والحرام وما يترتب