الشيخ محمد رشيد رضا

607

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليها من الجزاء وهو نبأ ابني آدم المفصل في سورة المائدة فمن العبادة فيه تقريب القربان ، ومن خبر الجزاء على الاعمال قول المعتدى عليه للمعتدي ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ) ومن العجيب أن يغفل أولئك الحفاظ عن هذه الآيات ويكتفوا من النقل بحديث أبي ذر الموضوع أو الضعيف وبدعوى الضرورة العقلية التي ادعاها الحافظ ابن حجر ، هذا إن كانوا يفهمون منها أنها تدل على رسالة آدم دلالة قطعية ، وإذا كانوا لا يفهمون ذلك فبم يستدلون ؟ وجملة القول إن الثابت قطعا في المسألة هو ان آدم عليه السّلام كان على هدى من اللّه يعمل به ويربي عليه أولاده ، وان منه عبادات وقربات يرغب فيها مبشرا بأنها يثاب عليها ، ومحرمات ينهى عنها منذرا بأنها يعاقب عليها ، وهذه الهداية هي من جنس هداية اللّه للبيين والمرسلين التي بلغوها أقوامهم ، ولا ندري كيف هدى اللّه تعالى آدم إليها فان طرق الهداية والتبليغ الإلهي متعددة ، وكان الظاهر المتبادر ان ذلك كان يوحي الرسالة لولا ما عارضه من حديث الشفاعة وآية ( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) وما يؤيدها مما تقدم ، ومن احتمال ان ذلك من هداية الفطرة السليمة التي فطر آدم عليها ونشأت عليها ذريته إلى زمن نوح إذ اختلف الناس وحدثت فيهم الوثنية فبعث اللّه النبيين ، وجعل منهم الرسل المبلغين عنه باذنه المؤيدين منه بالآيات لإقامة الحجة على الكافرين ، وذلك قوله عز وجل ( 2 : 212 كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) الآية . فقد صح عن ابن عباس ( رض ) انه فسر ذلك بأنهم كانوا على الاسلام وفي رواية مفصلة عنه قال : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث اللّه النبيين . قال الرواة وكذلك هي في قراءة عبد اللّه ( أي ابن مسعود ) « كان الناس أمة واحدة فاختلفوا » الخ ورووا عن أبيّ انه كان يقرأها كذلك أيضا ، ويؤيد ذلك في المعنى آيات أخرى . ورووا عن قتادة أنه قال ذكر لنا انه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث اللّه نوحا وكان أول رسول أرسله اللّه إلى الأرض وبعث عند الاختلاف من الناس فبعث إليهم ( ؟ ) رسله وأنزل كتابه يحتج به على خلقه اه من الدر المنثور ومنه يعلم المخرجون