الشيخ محمد رشيد رضا
600
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد أمرنا الرسول ( ص ) كما في صحيح البخاري بأن لا نصدق اليهود فيما يروونه من التوراة ولا نكذبهم ، فهل يمكن مع هذا أن يكون المراد بقوله تعالى ( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) اقتد أيها الرسول الخاتم للنبيين ، الذي أكمل على لسانه الدين ، بالاحكام القليلة التي نوحيها إليك من أحكام التوراة بعد سنين ؟ ان الذين اخترعوا هذا القول في الآية انما جعلوه حجة جدلية لقول اتخذوه مذهبا وهو ان شرع من قبلنا شرع لنا . وقد فصلنا القول ببطلانه وبطلان الاحتجاج بهذه الآية عليه في تفسير آية المائدة المذكورة آنفا ) 5 : 51 فيراجع في جزء التفسير السادس ( ص 410 - 420 ) وبقية تلك الأقوال التي أوردها الرازي داخلة فيما ذكرناه منها . فعلم بهذا ان ما قررناه أولا هو الوجه الصحيح الذي يدل عليه القرآن العزيز ، بما ذكرنا من شواهد آياته في هذا التقرير ، ولم يرد في التفسير المأثور شئ في هذه المسألة الا ما أخرجه البخاري وبعض رواة التفسير عن ابن عباس ( رض ) انه استدل بالآية على سجود التلاوة عند قوله تعالى عن داود في سورة ص ( فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ) وقال « فكان داود ممن أمر نبيكم ( ص ) أن يقتدي به فسجدها داود فسجدها رسول اللّه ( ص ) قال الحافظ في الفتح وفي النسائي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا « سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا » فاستدل الشافعي بقوله شكرا على أنه لا يسجد فيها في الصلاة لان سجود الشاكر لا يشرع داخل الصلاة . ولأبي داود وابن خزيمة والحاكم من حديث أبي سعيد أن النبي ( ص ) قرأ وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه ثم قرأها في يوم آخر فتهيأ الناس للسجود فقال انما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تهيأتم « فنزل وسجد وسجدوا معه » فهذا السياق يشعر بأن السجود فيها لم يؤكد كما أكد في غيرها اه وانما ذكر الحافظ هذا في شرح باب سجدة ص من البخاري ، وفيه عن ابن عباس ان ( ص ) ليس من عزائم السجود . ونحن نستدل بما ذكر على أن النبي ( ص ) لم يكن يلتزم سجودها وظاهر قوله « نسجدها شكرا » يخالف استنباط ابن عباس انه كان يسجدها اقتداء بداود وانما يظهر الاقتداء لو سجدها مثله توبة ، والحبر هو الحبر ولكنه غير معصوم ، واللّه أعلم