الشيخ محمد رشيد رضا
599
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العقل كما نقلناه عنه في هذا السياق مردودا عليه ، والاقتداء في النظر والاستدلال لا يظهر له معنى وجيه فان غايته أن يستدل بما استدل به مجموعهم أو كل فرد منهم وهو لا يصح ولم يقل به أحد ، أو أن يستدل كما استدلوا وليس هذا اقتداء ولا يصح أن يكون مرادا . وقد أورد الرازي عن القاضي في هذه المسألة اعتراضا وضعه في غير موضعه وأجاب عنه بما هو حجة عليه لاله . وأورد السعد على المسألة أن الواجب في الاعتقادات وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل والسمع فلا يجوز سيما للنبي ( ص ) أن يقلد غيره فيه فما معنى أمره بالاقتداء فيه ؟ وأجاب بأن اعتقاده عليه السّلام حينئذ ليس لأجل اعتقادهم بل لأجل الدليل فلا معنى لامره بذلك . وجعل غيره معناه تعظيم أولئك الرسل والاعلام بأن طريقهم هو الحق الموافق للدليل ، وهو تكلف لا يقبله التنزيل . وأما القول بأن المراد الاقتداء بهم في فروع شرائعهم فهو أضعف الأقوال وأبعدها عن الصواب ، لا لما قيل من اختلافها وتناقضها وقبولها النسخ وكون المنسوخ لم يبق هدى . بل الامر أعظم من ذلك : ان اللّه بعث محمدا خاتما للنبيين والمرسلين ، وأكمل لنا على لسانه دينه المبين ، وأرسله رحمة لجميع العالمين ، وأنزل عليه في أواخر ما أنزله بعد ذكر التوراة والإنجيل وأهل الكتاب ( 5 : 51 وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ) فهذه الآية ناطقة صراحة بأن كتاب هذا الرسول ( ص ) مهيمن ورقيب وحاكم على ما قبله من الكتب الإلهية لا تابع لشيء منيا - وبأنه ( ص ) أمر بأن يحكم بين أهل الكتاب بما جاءه من الحق لا بما في كتبهم ولا يتبع أهواءهم إذ يود كل فريق منهم أن يحكم له بما يوافق كتبه ومذهبه ، وكل ذي دعوى أن يحكم له بما يوافق مصلحته . على أنه لم يثبت لنبي من أولئك الثمانية عشر شريعة مفصلة الا لموسى عليه السّلام ولم يذكر اللّه تعالى لرسوله من تلك الشريعة الا أحكاما قليلة اقتضت ذكرها إقامة الحجة على اليهود وذلك بعد نزول هذه السورة المكية بسنين ، وقد شهد القرآن على اليهود بأنهم حرفوا وبدلوا ونسوا حظا مما ذكروا به ، وكذلك أهل الإنجيل شهد عليهم بأنهم نسوا حظا مما ذكروا به -