الشيخ محمد رشيد رضا
596
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللسان : يقال - قدوة وقدوة لما يقتدى به ، ابن سيده : القدوة والقدوة ما تسننت به . ثم قال : وقد اقتدى به والقدوة الأسوة . بعد هذا ينبغي أن نعلم ما يكون به الاقتداء وما لا يكون ، ولا سيما اقتداء النبي المرسل ، بالشرع الا كمل ، بغيره ممن لو كان حيا لما وسعه الا اتباعه ، فأما العلم بتوحيد اللّه وتنزيهه واثبات صفات الكمال له وبسائر أصول الدين وعقائده كالايمان بالملائكة وأمر البعث والجزاء فكل ذلك مما أوحاه اللّه تعالى إلى رسوله علي أكمل وجه فكان علما ضروريا وبرهانيا له - كما تقدم تقريره من عهده قريب - فلا يمكن أن يؤمر بالاقتداء فيه بمن قبله ولا مما يقع فيه الاقتداء . وقوله تعالى له ( ص ) ( 16 : 33 ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) معناه ان الملة التي أوحينا اليه وأمره باتباعها وهي العقيدة وأصل الدين هي ملة إبراهيم ، وإنما يتبعها لامر اللّه لا لأنها ملة إبراهيم ، إذ ليست مما علمه من إبراهيم بالتلقي عنه لأنه لم يكن في عصره ، ولا بالنقل لأنه لم يكن ( ص ) ناقلا ذلك عن العرب ، وان كان من المشهور المتواتر عند العرب ان إبراهيم ( ص ) كان موحدا حنيفا . واما الشرائع العملية فلا يقتدي فيها الرسول بأحد أيضا ، وانما يتبعها لان اللّه أمره باتباعها ، ذلك بأن الرسول لا يتبع في الدين الا ما أوحي اليه من حيث إنه أوحي اليه ، وقد تقدم مما فسرنا من هذه السورة فيه قوله تعالى حكاية عن رسوله بأمره ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ) ومثله في أواخر سورة الأعراف ( 7 : 203 ) وقال تعالى ( 45 : 8 ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها ) الآية . وموافقة رسول لمن قبله في أصول الدين وبعض فروعه لا يسمى اقتداء ولا تأسيا ، وانما يكون التأسي به في طريقته التي سلكها في الدعوة إلى الدين واقامته ومن الشواهد على هذا قوله تعالى ( 60 : 4 قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) الآية - فإنه تعالى أرشد المؤمنين إلى التأسي بإبراهيم ومن آمن معه وجعلهم قدوة لهم في سيرتهم العملية التي كانت من هدى اللّه تعالى لهم ، وهي البراءة من معبودات قومهم ومنهم ما داموا عابدين لها - ولما كان وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار له وهو مشرك ليس من هذا الهدى بل كان مسألة شاذة لها سبب خاص استثناها تعالى من التأسي به فقال ( إِلَّا قَوْلَ