الشيخ محمد رشيد رضا

597

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) الخ فمعنى الجملة على هذا : أولئك لأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في الآيات المتلوة آنفا ، والموصوفون في الآية الأخيرة بايتاء اللّه إياهم الكتاب والحكم والنبوة ، هم الذين هداهم اللّه تعالى الهداية الكاملة فبهداهم دون ما يغايره ويخالفه من أعمال غيرهم وهفوات بعضهم اقتد أيها الرسول فيما يتناوله كسبك وعملك مما بعثت به من تبليغ الدعوة وإقامة الحجة ، والصبر على التكذيب والجحود ، وايذاء أهل العناد والجمود ، ومقلدة الآباء والجدود ، واعطاء كل حال حقها من مكارم الأخلاق وأحاسن الاعمال ، كالصبر والشكر ، والشجاعة والحلم ، والايثار والزهد ، والسخاء والبذل ، والحكم بالعدل ، الخ ( 11 : 119 وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ - 6 : 35 وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * - 46 : 34 فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) فأما قوله تعالى له في آخر سورة ن ( 68 : 48 فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) - وصاحب الحوت هو يونس أحد هؤلاء الأنبياء الثمانية عشر - فالنهي فيه مما دل عليه الحصر بتقديم « فَبِهُداهُمُ » على « اقْتَدِهْ » كما تقدم فان هذه الحالة لم تكن من الهدى الذي هدى اللّه يونس اليه ، بل هفوة عاقبه اللّه عليها ثم تاب عليه ، ولا يحط هذا من قدر يونس عليه السّلام ، ولإزالة توهم ذلك قال ( ص ) « لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى » وقال « لا تفضلوني على يونس بن متى » أي في أصل النبوة لأجل هفوته ، وهو كقوله « لا تفضلوا بين الأنبياء » وفيه « ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس ابن متى » وكل ذلك في الصحاح ، والمراد منه عدم التفريق بين الرسل والأنبياء لا منع مطلق التفضيل ، فعلم بهذا ان اللّه لم يأمر خاتم رسله بالاقتداء بكل فرد من أولئك الأنبياء في كل عمل ، وانما أمره أن يقتدي بهداهم الذي هداهم اليه في سيرتهم ، سواء ما كان منه مشتركا بينهم ، وما امتاز في الكمال فيه بعضهم ، كما امتاز نوح وإبراهيم وآل داود بالشكر ويوسف وأيوب وإسماعيل بالصبر ، وزكريا ويحيى وعيسى والياس بالقناعة والزهد ، وموسى وهارون بالشجاعة وشدة العزيمة في النهوض بالحق ، فاللّه تعالى قد هدى كل