الشيخ محمد رشيد رضا
595
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فصرت أفكر في هذه الكلمة الأخيرة والمراد منها . قلت في نفسي ليت شعري هل سخر اللّه للملة الاسلامية قوما ينصرونها غير المدعين لذلك ؟ ومن هؤلاء القوم الذين لم نعلم من خبرهم هذا شيئا ؟ وما معنى اهتمام الوزير وسفره من العاصمة لأجلها ؟ وإلى أين سافر ؟ وهل يريد أن يكون مع هؤلاء القوم وحده أو مع أحد من شيعته كما تقتضيه السياسة أم فر منهم ؟ وقد اتسعت خواطري في ذلك بما لا حاجة إلى ذكره ، وأردت أن أسأل الجماعة المخبرين عن ذلك فاستيقظت قبل أن أفعل ، وكان ذلك في وقت السحر . وقد تذكرت قرب عهدي بتفسير الآية عندما قصصت رؤياي فحسبتها من المبشرات بأن اللّه تعالى قد يسخر للاسلام من غير الكافرين من ينصره ، ويصلح ما أفسد فيه أهله وغير أهله ، ويعيدون بناء ما هدم من شرعه ، ورفع عماد ماثل من عرشه ولو بإزالة العلل والموانع ، وتمهيد السبيل لذلك . وقد يكون ذلك على وجه غير ما ينظره الجماهير من ظهور المهدي بعد ان خابت الآمال في كثير من أدعياء المهدية . وإذا كان اللّه قد أرانا في تاريخنا مصداق قول رسوله « ان اللّه تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » وقوله « ان اللّه تعالى ليؤيد الاسلام برجال ما هم من أهله » « 1 » أفيضيق على فضله أن يكون مضمون هذه الآية عاما مكررا ، ويؤيد اللّه الاسلام بقوم ليسوا بكافرين ، كملاحدة هذا العصر المعروفين ، ولا كالصحابة مؤمنين كاملين ، بل بين ذلك كخيار هذا العصر من المسلمين ؟ وبهذا يظهر من السر في وصف القوم في الآية بعدم الكفر ، ما هو أعم مما ذكر من قبل ، فافهم * * * أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ الهدى ضد الضلال ، وهو يطلق في مقام الدين على الطريق الموصل إلى الحق وهو الصراط المستقيم الذي نطلبه في صلاتنا ، وعلى سلوك ذلك الطريق والاستقامة في السير عليه ، وقال الراغب : الهدى والهداية في موضوع اللغة واحد ولكن قد خص اللّه عز وجل لفظة الهدى بما تولاه وأعطاه واختص هو به دون ما هو إلى الانسان اه وهو لا يصح مطردا . والاقتداء في اللغة السير على سنن من يتخذ قدوة أي مثالا يتبع . قال في
--> ( 1 ) روى الطبراني الأول عن عمرو بن النعمان بن مقرن بسند صحيح والثاني عن ابن عمر بسند ضعيف