الشيخ محمد رشيد رضا

587

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تاريخهم وأزمانهم لأنه أنزل كتابه هدى وموعظة لا تاريخا - ولا على حسب فضلهم ومناقبهم لان كتابه ليس كتاب مناقب ومدائح وانما هو كتاب تذكرة وعبرة ، وقد جعلهم ثلاثة أقسام لمعان في ذلك جامعة بين كل قسم منهم فالقسم الأول داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ، والمعنى الجامع بين هؤلاء ان اللّه تعالى آتاهم الملك والامارة ، والحكم والسيادة ، مع النبوة والرسالة ، وقد قدم ذكر داود وسليمان وكانا ملكين غنيين منعمين ، وذكر بعدهما أيوب ويوسف وكان لأول أمير اغنيا عظيما محسنا ، والثاني وزيرا عظيما وحاكما متصرفا ، ولكن كلا منهما قد ابتلي بالضراء فصبر ، كما ابتلي بالسراء فشكر ، وأما موسى وهارون فكانا حاكمين ، ولكنهما لم يكونا ملكين ، فكل زوجين من هؤلاء الأزواج الثلاثة ممتاز بمزية ، والترتيب بين الأزواج على طريق التدلي في نعم لدنيا ، وقد يكون على طريق الترقي في الدين ، فداود وسليمان كانا أكثر تمتعا بنعم الدنيا ، ودونهما أيوب ويوسف ، ودونهما موسى وهارون ، والظاهر أن موسى وهارون أفضل في هداية الدين وأعباء النبوة من أيوب ويوسف وأن هذين أفضل من داود وسليمان بجمعهما بين الشكر في السراء ، والصبر في الضراء ، واللّه أعلم . وقد قال تعالى بعد ذكر هؤلاء « وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ » أي بالجمع بين نعم الدنيا ورياستها بالحق ، وهداية الدين وارشاد الخلق ، وهذا كما قال اللّه تعالى في أحدهم يوسف ( 12 : 22 وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) فهو جزاء خاص بعضه معجل في الدنيا ، أي ومثل هذا الجزاء في جنسه يجزي اللّه بعض المحسنين بحسب إحسانه في الدنيا قبل الآخرة ، ومنهم من يرجئ جزاءه إلى الآخرة والقسم الثاني زكريا ويحيى وعيسى والياس ، وهؤلاء قد امتازوا في الأنبياء عليهم السّلام بشدة لزهد في الدنيا والاعراض عن لذاتها ، والرغبة عن زينتها وجاهها وسلطانها ، ولذلك خصهم هنا بوصف الصالحين ، وهو أليق بهم عند مقابلتهم بغيرهم ، وان كان كل نبي صالحا ومحسنا على الاطلاق والقسم الثالث إسماعيل واليسع ويونس ولوط ، وأخر ذكرهم لعدم الخصوصية إذ لم يكن لهم من ملك الدنيا أو سلطانها ما كان للقسم الأول ، ولا من المبالغة في