الشيخ محمد رشيد رضا

578

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يجد لهذا الخوف حالا ولا وجها ، فلا هو يخاف هؤلاء الشركاء لذواتهم ، ولا لما يزعمونه من وساطتهم عند اللّه وشفاعتهم ، ولا لقدرة على الضر والنفع قد تدعى - ولو بجعل اللّه - لهم ، ولا لثبوت جعلهم أسبابا للضرر بغير إرادة ولا اختيار منهم ، فالمراد أن جميع وجوه الخوف وأحواله الحقيقية والمجازية منتفية ، والا فعليهم بيان كيف يخافون وقد حذف متعلق الشرك في مقام انكار خوفه من شركائهم ، وذكره بعده في مقام انكار عدم خوفهم من شركهم ، وهو قوله « ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً » - لان الحاجة إلى بيان عدم وجود السلطان - أي الدليل - على هذا الشرك انما يحتاج اليه في مقام اسناده إليهم والتعجب من عدم خوفهم سوء عاقبته ، ما لا يحتاج اليه في مقام انكاره هو كل حال يمكن أن تدعى لخوفه من شركائهم ، فهو يثبت بذلك الاطلاق أنه لا يمكن أن توجد حال ولا صفة للخوف مما أشركوه ، فلو عدل عنه إلى تقييد انكاره بما ذكر لفات بهذا القيد ذلك العموم البليغ ، وذهب ذهن السامعين إلى أنه سيخاف إذا ظهر له دليل على صحة دعواهم ، وهم قوم مقلدون يعتقدون أنه لا بد من وجود أدلة تثبت صحة اعتقادهم ، وان لم يعرفوها أو يقدروا على بيانها لخصمهم ، وأما ذكر هذا المتعلق في مقام الانكار التعجبي من عدم خوفهم فهو ضروري لأنه تذكير لهم عند ذكر عقيدتهم بأنهم لا عذر لهم بالجهل بيطلانها ، لأنه لا دليل لهم عليها وقال بعض المفسرين إن قوله « ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً » قد ذكر على طريق التهكم مع الاعلام بأن الدين لا يقبل الا بالحجة المنزلة أو مطلق الحجة القاطعة ، وأن التقليد ليس بعذر ، ولا سيما تقليد من ليس على هداية ولا علم ، ولا بصيرة ولا عقل . وذكر الرازي في العبارة وجهين ( أحدهما ) أنها كناية عن امتناع وجود الحجة والسلطان على الشرك ، والمعنى ما لم ينزل به سلطانا لأنه باطل لا يمكن أن يقوم عليه برهان ، فهو كقوله تعالى ( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ) أي لا برهان له به يعلمه ولا برهان يجهله لاستحالة البرهان على الباطل ( ثانيهما ) انه لا يمتنع عقلا ان يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء والصلاة . وأقول إن هذا الوجه لا محل له لان جعلها قبله غير جعلها شركاء يخاف ضرها ويرجى نفعها لذاتها أو لوساطتها عند اللّه تعالى . فالقبلة لا تأثير لها في نفع ولا ضر لا بالذات ولا بالشفاعة كما