الشيخ محمد رشيد رضا
579
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يعتقدون في الشركاء وإنما يتوجه إليها امتثالا لامر اللّه ومثل ذلك استلام الحجر الأسود في الطواف ، فالانتفاع محصور في طاعة اللّه تعالى بذلك لأنه هو الذي يزكي النفس ثم رتب صلوات اللّه عليه على هذا الانكار التعجبي ما هو نتيجة له بقوله فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ ) المراد بالفريقين فريق الموحدين الحنفاء الذين يعبدون اللّه وحده ، ويخافونه ويرجونه ولا يخافون ولا يرجون غيره من دونه ، وانما يعارضون الأسباب بالأسباب ، ويدافعون الاقدار بالاقدار ، كالقاء أسباب الأمراض قبل وقوعها ، ومدافعتها بالأدوية بعد الابتلاء بها ، وفريق المشركين الذين استكبروا تأثير بعض الأسباب ، فاتخذوا منها ما اتخذوا من الآلهة والأرباب ، بل نسبوا إلى بعضها النفع والضر بخداع المصادفات واختراع الأوهام . ، فهو يقول لهم أي هذين الفريقين أحق وأجدر بالأمن على نفسه ، من عاقبة عقيدته وعبادته ؟ ونكتة عدوله عن قول : فابنا أحق بالأمن . إلى قوله « فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ » هي بيان ان هذه المقابلة عامة لكل موحد ومشرك ، من حيث إن أحد الفريقين موحد والآخر مشرك ، لا خاصة به وبهم ، فهي متضمنة لعلة الامن ، وقيل إن نكتته الاحتراز عن تزكية النفس . واسم التفضيل على غير بابه ، فالمراد أينا الحقيق بالأمن ، ولكنه عبر باسم التفضيل ناطقا في استنزالهم عن منتهى الباطل وهو ادعاؤهم انهم هم الحقيقون بالأمن ، وانه هو الحقيق بالخوف ، إلى الوسط النظري بين الامرين ، وهو أي الفريقين أحق ، واحترازا عن تنفيرهم من الاصغاء إلى قوله كله . ثم قال « إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » أي أيهما أحق بالأمن - أو ان كنتم من أهل العلم والبصيرة في هذا الامر - فأخبروني بذلك ، وبينوه بالدلائل ؟ وهذا إلجاء إلى الاعتراف بالحق ، أو السكوت على الحماقة والجهل . وأما الجواب فهو قوله الحق : * * * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ في هذا الجواب احتمالات ( أحدهما ) أنه من قوم إبراهيم : أي تذكروا لما ذكرهم ، وراجعوا عقولهم وفطرتهم ، فاعترفوا بالحق كما اعترفوا حين كسر أصنامهم من بعد ، إذ قال لهم ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ) وقد روى ابن جرير هذا الاحتمال