الشيخ محمد رشيد رضا
574
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 81 ) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 82 ) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً ، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 83 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 84 ) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ المحاجة المجادلة والمغالبة في إقامة الحجة . والحجة الدلالة المبينة للمحجة أي المقصد المستقيم كما قال الراغب ، وأصل المحجة وسط الطريق المستقيم ، وتطلق الحجة على كل ما يدلي به أحد الخصمين في إثبات دعواه أو رد دعوى خصمه ، فتقسم إلى حجة ناهضة يثبت بها الحق ، وحجة داحضة يموه بها الباطل ، وانما يسمى ما لا يثبت به الحق حجة على سبيل ادعاء الخصم ، حكاية لقوله ، واصطلحوا على تسميتها شبهة . ولما حاج إبراهيم قومه ببيان بطلان عبادة الأصنام وربوبية الكواكب واثبات وحدانية اللّه تعالى ووجوب عبادته وحده - وهي الحنيفية - حاجوه ببيان أوهامهم في شركهم ، وقد بين اللّه تعالى في سورتي الأنبياء والشعراء انهم اعتذروا له عن عبادة الأوثان والأصنام بتقليد آبائهم ، وليس للمقلد أن يحتج ، ولكنه يجادل ويحاج مع كونه لا يخضع للحجة إذا قامت عليه ، ويؤخذ من هذه الآيات أنهم لما لم يجدوا حجة عقلية على شركهم باللّه خوفوه أن تمسه آلهتهم بسوء . والظاهر أن هذا كان قبل ما حكى اللّه تعالى عنه وعنهم في سورة الشعراء بقوله ( 26 : 72 قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 73 أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ 74 قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) وقبل واقعة تكسيره لأصنامهم التي قال اللّه فيها من سورة الأنبياء انهم