الشيخ محمد رشيد رضا
575
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رجعوا إلى أنفسهم فاعترفوا بظلمهم ، ثم نكسوا على رؤوسهم مصرين على شركهم ، وكثيرا ما يضطرب المقلد لسماع الحجة إذ يومض في قلبه برقها ، ويهز شعوره رعدها ويكاد يحييه ودقها ، ثم ينكس على رأسه ، ويعود إلى سابق وهمه ، خائفا من غير مخوف ، راجيا غير مرجو ، كما نراه في عباد أصحاب القبور ، الذين يتوهمون أن قبورهم وغيرها من آثارهم تدفع عمن زارها أو تمسح بها الضر وتكشف السوء ، وتدر الرزق وتخزي العدو ، اما بتصرفهم في الخلق ، وإما لأنهم قربان عند الرب ، ولا يرون ذلك ناقضا للايمان الصحيح باللّه عز وجل ( 12 : 106 وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) قال تعالى * * * وَحاجَّهُ قَوْمُهُ أي وجادله قومه بعد ما تقدم من أمره معهم ، وخاصموه في أمر التوحيد الذي قرره لهم ، كأن زعموا كما روي وسمع من أمثالهم أن اتخاذ الالهة لا ينافي الايمان باللّه الفاطر سبحانه ، لأنهم وسطاء وشفعاء عنده ، ومتّخذون لأجله ، وذلك ما تقدم قريبا عن ابن زيد في تفسير قوله ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ) وخوفوه بطشهم به فما ذا قال عليه السّلام ؟ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ أي أتجادلونني مجادلة صاحب الحجة في شأن اللّه تعالى وما يجب في الايمان به - والحال انه قد فضلني عليكم بما هداني إلى التوحيد الخالص والحنيفية التي أقمت بها الحجة عليكم ، وأنتم ضالون باصراركم على شرككم ، وتقليدكم به من قبلكم ؟ وقد خفف نون ( تحاجوني ) نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان وذلك بحذف احدى النونين ، وشددها سائر القراء ، وهما لغتان للعرب في مثلها . وحذفت الياء من هداني في الرسم ، لأنها لا تظهر في النطق وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ من الكواكب والأصنام أن تصيبني بسوء ، فاني أعلم علم اليقين أنها لا تضر ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، ولا تقرب ولا تشفع إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً أي لكن أستثني من عموم الخوف في عموم الأوقات ، من جهة آلهتكم كغيرها من المخلوقات ، ان يشاء ربي القادر على كل شيء وقوع مكروه بي ، فإنه يقع لا محالة كما شاء ربي ، فان فرض أنه شاء أن يسقط عليّ صنم يشجني ، أو كسف من شهب الكواكب يقتلي ، فان ذلك يقع بقدرة ربي ومشيئته ، لا بمشيئة الصنم أو الكوكب ولا