الشيخ محمد رشيد رضا

563

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ تبرأ من شركهم وقفى على تلك البراءة ببيان عقيدته الحق وهي التوحيد الخالص فقال إني وجهت وجهي وقصدي وجعلت توجهي في عبادتي للرب الخالق الذي فطر السماوات والأرض ، أي ابتدأ خلقهما بما فتق من رتق مادتهما وهي دخان ، وأكمل خلقهن أطوارا في ستة أزمان ، فهو خالق هذه الكواكب النيرات ، وخالقكم وما تصنعون منه هذه الأصنام من معدن ونبات ، وتوجيه الوجه هنا بمعنى اسلامه في قوله عز وجل ( 4 : 124 وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) وقوله ( 31 : 22 وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ) الآية . وقد تقدم في تفسير الأولى ( ص 438 ج 5 ) ان اسلام الوجه له تعالى عبارة عن توجه القلب ، فان الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الاقبال والاعراض والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك ، وان المراد باسلامه وبتوجيهه للّه تعالى تركه له يتوجه اليه وحده في طلب حاجته ، واخلاص عبوديته ، فهو وحده الرب المستحق للعبادة ، القادر على الاجر والإثابة . ومن الشواهد على استعمال الوجه بمعنى القلب حديث « لتسونّ صفوفكم أو ليخالفن اللّه بين وجوهكم » وفي رواية قلوبكم . رواه أحمد وأصحاب السنن . ووجّه يتعدى باللام والى كأسلم وتقدم شاهدا « أسلم » آنفا ، ولم يتكرر « وجه » في القرآن بهذا المعنى ، والا فاللام هنا بمعنى إلى كقوله تعالى ( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ) وقوله ( لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) واخترع الرازي للام هنا نكتة سماها دقيقة فقال : المعنى أن توجيه وجه القلب ليس اليه لأنه متعال عن الحيز والجهة بل إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته الخ فجعل اللام « دليلا ظاهرا » على كون المعبود متعاليا عن الحيز والجهة . وهذا تحكم مردود لا تقبله اللغة ولا يقتضيه العقل ، ولا يتفق مع ما ورد في القرآن في معنى توجيه الوجه . أما إباء اللغة له فلان اللام لو كانت للتعليل مع حذف مضاف لكانت الآية خالية من المقصود منها بالذات وهو كون توجيه القلب بالعبادة إلى اللّه فاطر السماوات والأرض ، إذ التعليل على ما فيه من التكلف يصدق بالتوجه إلى غيره تعالى توسلا اليه كالتوجه إلى الكوكب وغيره ، لأجل خالقه لا لأجله ، باعتقاد انه هو الذي يقرب اليه زلفى أو يشفع عنده . وأما العقل فإنه يدرك أن توجه القلب