الشيخ محمد رشيد رضا

564

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا ينحصر في كونه إلى الحيز والجهة المحصورة ، وأما القرآن فقد عدى إسلام الوجه بالي في سورة لقمان وباللام في سورة النساء ، وهو بمعنى توجيهه كما تقدم آنفا . هذا وان التعبير بفاطر السماوات والأرض هو وجه الحجة في الآية فان ما فتن به القوم من تأثير النيرات في الأرض - ان صح - لم يعد أن يكون خاصية لبعض اجرام السماء وهي لم توجد نفسها ولا صفاتها وخواصها ، فالواجب ان ينظر في أمرها من حيث هي جزء أو أجزاء من مجموع العالم ، وحينئذ يراها الناظر المتفكر خاضعة لتدبير من فطر العالم الكبير التي هي بعضه ، ويعلم أنه هو الحقيق بالعبادة من دونها ، لأنه هو الرب الحق المدبر لها ولغيرها . وانما يتجلى الاستدلال على وحدانية الربوبية والإلهية بالنظر في جملة العالم وكونه لا بد أن يكون له خالق مدبر واحد ، إذ لا يمكن أن يستقيم نظام المتعدد الا إذا كان له جهة واحدة كما بيناه في غير هذا الموضع وسيعاد ان شاء اللّه تعالى ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ) وأما الاستدلال بأجزاء الكون فيتولد منه شبهات ومشكلات كثيرة . والحنيف صفة من الحنف وهو بالتحريك الميل عن الضلال والعوج إلى الاستقامة ، وضده الجنف بالجيم . فقوله حنيفا حال أي وجهت وجهي له حال كوني مائلا عن معبوداتكم الباطلة وعن غيرها ، فتوجهي واسلامي خالص له لا يشوبه شرك ولا رياء ، وما أنا من القوم المشركين به الذين يتوجهون إلى غيره من المخلوقات ، كالكواكب أو الملائكة أو الملوك والصالحين ، أو ما يتخذلهم من الأصنام والتماثيل ، تبرأ أولا من شركهم أو شركائهم ثم تبرأ منهم أنفسهم ( 60 : 4 قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) روى ابن جرير عن ابن زيد ان قوم إبراهيم قالوا حين قال إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض : ما جئت بشيء ونحن نعبده ونتوجهه . « 1 » فرد عليهم بأنه حنيف أي مخلص له لا يشرك به كما يشركون اه بالمعنى وفي الآيات قراآت لا تتعلق بالمعنى . كفتح ياءاني وسكونها وإمالة رأي وكسر

--> ( 1 ) كذا في نسخة تفسيره المطبوعة بالمطبعة الأميرية وانما يقال توجه اليه لا توجهه ، وفيها أيضا : ولا أشركه أي لا أشرك به