الشيخ محمد رشيد رضا
560
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( قلت ) الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب اه وقال ابن المنير انه من عيون نكته ووجوه حسناته ، اه والصواب أن الكلام كان تعريضا خفيا ، لا برهانا نظريا جليا ، وأن وجه منافاة الربوبية فيه هو الخفاء والاحتجاب والتعدد ، وان البزوغ والظهور لم يجعل فيه مما ينافي الربوبية بل بني عليه القول بها ، فان من صفات الرب أن يكون ظاهرا وان لم يكن ظهوره كظهور غيره من خلقه كما علم مما تقدم آنفا . * * * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي أي فلما رأى القمر طالعا من وراء الأفق أول طلوعه قال : هذا ربي ، على طريق الحكاية لما كانوا يقولون تمهيدا لابطاله كما تقدم ، وقد استعملت العرب هذا الحرف في التعبير عن ابتداء طلوع النيرات وأول طلوع الناب . وفي بزغ البيطار والحاجم للجلد وهو تشريطه بالمبزغ ، ولذلك قالوا إن معنى البزغ الشق فالنيرات تشق الظلام بطلوعها ، وجعله بعضهم تشبيها بشق الناب والسن للثة وشق البيطار والحجام للجلد . والظاهر أن إبراهيم ( ص ) رأى الكوكب في ليلة ورأى القمر في الليلة التالية لها كما يؤخذ من العطف بالفاء وذلك أنه لا فاصل بين ليلة وأخرى الا النهار وهو ليس بمظهر للكواكب والقمر فكأنه غير فاصل . ويحتمل ان يكون قد رأى الكوكب والقمر في ليلة واحدة وإذا كانت هذه الليلة هي التي رأى الشمس في أول نهارها - وهو المتبادر - وجب أن يكون رأى الكوكب في أول الليل هاويا للغروب وبعد أفوله بقليل بزغ القمر ، وان ذلك كان في وسط الشهر ، وانه سهر مع بعض قومه الليل كله حتى أفل القمر في آخره ، وكثيرا ما يفعل الناس هذا ولا سيما في الليالي البيض ولو لم يكن لهم غرض ديني أو علمي منه ، وقد يتصور وقوع ذلك في بعض الليالي القليلة من السنة كالليلة الخامسة عشرة من شهر رجب من سنتنا هذه ( سنة 336 ) فان الشمس تغرب فيها عن أفق مصر الساعة 6 والدقيقة 28 ويطلع القمر بعد غروبها بعشرين دقيقة وفي هذه المدة يحتمل أن يرى بعض السيارات أو نحوها من النجوم المشرقة الممتازة كالشعرى هاويا للغروب ويغرب بعدها بربع ساعة ويغرب القمر في تلك الليلة بعد انتهاء الساعة الرابعة بدقيقتين من صبيحتها وتشرق الشمس بعد غروبه بأربع عشرة دقيقة . ولكن يعكر على هذا انه لا يظهر فيه جن الليل وهو اظلامه . وانما يتعين تصوير وقوع ما ذكر