الشيخ محمد رشيد رضا

561

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في مثل هذه الليلة من الشهر ، والقمر بدر ، والشمس في الدرجة الخامسة من برج الثور ، إذا تعين انه لا يجوز وصف القمر والشمس بالبزوغ الا في أول طلوعهما من وراء أفق القطر كله ، وقد يقال إن هذا غير متعين بالوصف وانه يجوز ان يقال : رأيت القمر بازغا ولو بعد طلوعه بساعات كما يقال : رأيت ناب البعير بازغا بعد طلوعه بأيام . ثم إن البزوغ والغروب منهما ما هو حقيقي عرفا وما هو نسبي ، فمن كان في مكان مطمئن أو محاط بالبنيان والشجر يبزغ عليه القمر والشمس بعد بزوغهما في أفق قطره ، ويغربان عنه قبل غروبهما عن ذلك الأفق ، وقد يكون في مكان يحجب مشرقه ما ذكر دون مغربه وبالعكس فيختلف البزوغ والغروب باختلاف ذلك . وبهذا يتسع مجال احتمال وقوع ما ذكر في ليلة واحدة وصبيحتها بغير تكلف . والكلام في الآيات مرتب على رؤية الكوكب رؤية غير مقيدة بحال ولا وصف وعلى رؤية القمر والشمس بازغين لا على بزوغهما ، فالأول يصدق برؤيته قبيل الغروب في أول جنون الليل ، والآخران يصدقان بالرؤية في حال البزوغ النسبي . وقد غفل عن هذه الدقة في تعبير التنزيل من زعم أن رؤية ما ذكر لا يتصور وقوعه في ليلة واحدة وصبيحتها ، ومن فرض لذلك وجود جال في ذلك المكان الخالي من الجبال فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ أي فلما أفل القمر كالكوكب ، وهو أكبر منه منظرا وأبهى نورا في الأرض ، قال مسمعا من حوله من قومه : لئن لم يهدني ربي الذي خلقني إلى العبادة التي ترضيه باعلام خاص من لدنه لأكونن من القوم الضالين عما يجب ان يعبد به فيتبعون فيه أهواءهم أو اجتهادهم فلا يكونون عابدين له بما يرضيه ولا يقتضي ان كل ضال يعبد الأصنام أو الكواكب بل هذا تعريض آخر بضلال قومه يقرب من التصريح وإرشاد إلى توقف هداية لدين على الوحي الإلهي . قال ابن المنير في الانتصاف : والتعريض بضلالهم ثانيا أصرح وأقوى من قوله « لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » وانما ترقى في ذلك لان الخصوم قد قامت عليهم بالاستدلال الأول حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال ، فما عرّض صلوات اللّه عليه بأنهم في ضلالة إلا بعد ان وثق باصغائهم إلى إتمام المقصود واستماعه إلى آخره ، والدليل على ذلك أنه ترقى في