الشيخ محمد رشيد رضا

559

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شيء بآياته وتجليه ، الباطن في كل شيء بحكمته ولطفه الخفي فيه ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، ) ولكن تشاهده البصائر بآثار صفاته في الخلق والتقدير ، وسلطانه في التصرف والتدبير ، وما كان ليخفى على الخليل الأول ما قاله الخليل الثاني في مقام الاحسان ، وما ملته الأعين ملته في الاسلام والايمان ، وهو « ان تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » فكيف يعبد هذه الكواكب التي تأفل وتحجب عن عابديها ، ويخفى حالهم عليها ؟ وقد فسر بعض النظار وعلماء الكلام الأفول بالانتقال من مكان إلى مكان وجعلوا هذا هو المنافي للربوبية لدلالته على الحدوث أو الامكان ، وهو تفسير للشيء بما قد يباينه فان المحفوظ عن العرب أنها استعملت الأفول في غروب القمرين والنجوم وفي استقرار الحمل وكذا اللقاح في الرحم فعلم أن مرادها من الأول عين مرادها من الثاني وهو الغيوب والخفاء ، وقد يتحول الشيء وينتقل من مكان إلى آخر وهو ظاهر غير محتجب . وفسره بعضهم بالتغير ليجعلوه علة الحدوث المنافي للربوبية أيضا ، وهو غلط كسابقه فان الشمس والقمر والنجوم لا تتغير بأفولها ، ومذهب المتأخرين من علماء الفلك - وهو الصحيح - ان أفولها انما يكون بسبب حركة الأرض لا بحركتها هي ، وان حركتها على محاورها وحركة السيارات من المغرب إلى المشرق ليست من سبب أفولها المشاهد في شيء . وفي الكلام تعريض لطيف بجهل قومه في عبادة الكواكب بأنهم يعبدون ما يحتجب عنهم ، ولا يدري شيئا من أمر عبادتهم ، وهو يقرب من قوله لأبيه بعد ذلك ( لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ) ولا يظهر هذا التعريض على قول النظار في تفسير الأفول فان قوم إبراهيم لم يكونوا على شيء من هذه النظريات الكلامية بل كانوا يعبدون الأفلاك قائلين بربوبيتها ، وبقدمها مع حركتها ، وما زال الفلاسفة والفلكيون يقولون بقدم الحركة وأزليتها ، وعلماء الكون في هذا العصر يعدون الحركة مبدأ وجود كل شيء ، وانها ملازمة للوجود المطلق من الأزل إلى الأبد وقد كان الزمخشري من أولئك النظار وقد قال بعد ما يأتي في القمر والشمس : ( فان قلت ) لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال ؟