الشيخ محمد رشيد رضا
558
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أحسن وجه وهو الذي جزم به الجمهور من أنه كان مناظرا لقومه فقال ما قال تمهيدا للانكار عليهم ، فحكى مقالتهم أولا حكاية استدرجهم بها إلى سماع حجته على بطلانها ، إذ أوهمهم انه موافق لهم على زعمهم ، ثم كر عليه بالنقض ، بانيا دليله على قاعدة الحس ونظر العقل ، وقيل إنه استفهام إنكار أو تهكم واستهزاء حذفت اداته ، أي أهذا ربي الذي يجب علي أن أعبده ؟ ، وقيل أراد : هذا ربي بزعمكم ، أو إنكم تقولون هذا ربي وذلك مما لا يلتئم مع ما يأتي في الشمس ، ولا يقبله الذوق . أما ابن جرير فاحتج أولا بالرواية وقد علمت أنها لا تصلح حجة على دعوى شرك الخليل عليه الصلاة والسّلام ولو في الصغر على أنها مطلقة - وثانيا بالعبارة التي قالها بعد أفول القمر ، وسترى حسن توجيهها على الوجه الآخر . وأما الجمهور فاحتجوا بحجج كثيرة أطال الإمام الرازي في تعدادها وفي أكثر ما أورده نظر ظاهر . وأقوى حجتهم السياق من حيث تشبيه إراءة اللّه تعالى إياه هذا الملكوت وما يترتب عليه من ابطال ربوبية الكواكب باراءته ضلال أبيه وقومه في عبادة الأصنام - ومن اسناد هذه الاراءة إلى اللّه تعالى الدال على تمييز ما رأى بها على ما كان يرى قبلها - ومن تعليل الاراءة بما تقدم - ومن التعقيب على ذلك بمحاجة قومه وقوله تعالى انه آتاه الحجة عليهم . فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ أي فلما غرب هذا الكوكب واحتجب ، قال لا أحب من يغيب ويحتجب ، ويحول بينه وبين محبه الأفق أو غيره من الحجب ، وأشار بقوله الآفلين إلى أن هذا الكوكب فرد من أفراد جنس كله يغيب ويأفل ، والعاقل السليم الفطرة والذوق لا يختار لنفسه حب شيء يغيب عنه ، ويوحشه فقد جماله وكماله ، حتى في الحب الذي هو دون حب العبادة ، فان أحب شيئا من ذلك بجاذب الشهوة دون الاختيار ، فلا يلبث أن يسلو عنه بنزوح الدار ، والاحتجاب عن الابصار ؛ الا أن يصير حبه من هوس الخيال ، وفنون الجنون والخبال ، وأما حب العبادة الذي هو أعلى الحب وأكمله لأنه من مقتضى الفطرة السليمة والعقل الصحيح ، فلا يجوز أن يكون الا للرب الحاضر القريب ، السميع البصير الرقيب ، الذي لا يغيب ولا يأفل ، ولا ينسى ولا يذهل ، الظاهر في كل