الشيخ محمد رشيد رضا
556
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما وجلى له بواطن الأمور وظواهرها ، ويتحقق ذلك بهدايته إياه إلى وجوه الحجة فيها على وحدانيته تعالى وقدرته ، وعلمه وحكمته ، وفضله ورحمته ، ويدل على ذلك تعليل الاراءة ، وما يترتب عليها من إقامة الحجة أما التعليل فقوله تعالى وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قيل إن المعني ولأجل ان يكون من أهل اليقين الراسخين فيه أريناه ما أرينا ، وبصرناه من أسرار الملكوت ما بصرنا ، وقيل إن هذا عطف على تعليل حذف لتغوص الأذهان على استخراجه من قرائن الحال ، وأسلوب المقال ، أي نريه ذلك ليعرف سنننا في خلقنا ، وحكمنا في تدبير ملكنا ، وآياتنا الدالة على ربوبيتنا وألوهيتنا ، ليقيم بها الحجة على المشركين الضالين ، وليكون في خاصة نفسه من الواقفين على عين اليقين ، وهو من الايجاز البديع . واليقين في اللغة الاعتقاد الجازم المبني على الامارات والدلائل والاستنباط دون الحس والضرورة . وقال الراغب هو سكون الفهم ، مع ثبات الحكم ، وانه من صفة العلم فوق المعرفة والدراية . وبذلك جمع إبراهيم بين العلم النظري والعلم اللدني . * * * وأما ما يترتب على ذلك من الاهتداء إلى وجه الحجة والاستدلال فقوله عز وجل فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً الخ قال الراغب أصل الجنّ ستر الشيء عن الحاسة يقال جنه الليل وأجنه وأجن عليه فجنه ستره . وأجنه جعل له ما يجنه كقولك قبرته وأقبرته وسقيته وأسقيته ، وجن عليه كذا ستر عليه اه ومنه الجن والجنة بالكسر والجنة بالضم وهي الترس يستر به ما يحاول العدو ضربه من الوجه والرأس وغيرهما ، والجنة بالفتح ، وهي البستان الذي يستر الشجر أرضه من الشمس . والكوكب والكوكبة واحد الكواكب وهي النجوم . والفلكيون يطلقون المؤنث على المجموعة المعينة منها والعرب تطلقه على الزمرة كما غلب اطلاق النجم معرّفا على الثريا ، ولم ينقل الينا تأنيث النجم والعامة تقول نجمة . والمعنى ان اللّه تعالى لما بدأ يريه ملكوت السماوات الأرض تلك الاراءة التي عللها بما تقدم آنفا ، كان من أول أمره في ذلك أنه لما أظلم عليه الليل ، وستره أو ستر عنه ما حوله من عالم الأرض ، نظر في ملكوت السماء فرأى كوكبا عظيما ممتازا على سائر الكواكب باشراقه وجذب النظر اليه - يدل على ذلك تنكير الكوكب - وقد روي عن ابن عباس