الشيخ محمد رشيد رضا
555
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الملكوت العظيم كما يعلم من التعليل الآت ، والتفصيل المترتب على هذا الاجمال في الآيات . والملكوت المملكة أو الملك العظيم والعز والسلطان ، وإطلاق الصوفية إياه على عالم الغيب اصطلاح . قال في اللسان : وملك اللّه تعالى وملكوته سلطانه وعظمته ، ولفلان ملكوت العراق أي عزه وسلطانه وملكه . عن اللحياني . والملكوت من الملك كالرهبوت من الرهبة ويقال للملكوت ملكوة ( كترقوة ) اه وقال الراغب والملكوت مختص بملك اللّه تعالى وهو مصدر ملك أدخلت فيه التاء نحو رحموت ورهبوت اه وصرح بعضهم بأن هذه التاء للمبالغة على قاعدة زيادة المبني لزيادة المعنى ، فالملكوت الملك العظيم والرحموت الرحمة الواسعة والرهبوت الرهبة الشديدة وروي عن عكرمة ان كلمة ملكوت نبطية وأصلها بلسانهم ملكوتا . وفي كتب اللغة أن النبط والأنباط جيل من الناس يسكنون البطائح وغيرها من سواد العراق ، فهم بقايا قوم إبراهيم في وطنه الأصلي إذا كانت سلسلة نسبهم محفوظة ، ويقول المؤرخون انهم من بقايا العمالقة وانهم هاجروا من العراق بعد سقوط دولة الحمورابيين وتفرقوا في جزيرة العرب ثم انشأوا دولة في الشمال منها . وقد روي عن علي وابن عباس ( رض ) ان كلا منهما قال : اننا نبط من كوثى . وكوثى بلد إبراهيم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما يحفظ عن العرب . ومراد الحبرين ان بني هاشم من ذرية إبراهيم وأن النبط من قومه ، وفيه انكار احتقارهم لنسبهم أو ضعف لغتهم ، وقيل إن مرادهما به التواضع وذم التفاخر بالأنساب . وروي عن ابن عباس ان المراد بملكوت السماوات والأرض خلقهما أي كقوله تعالى ( أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ) وعن مجاهد انه آياتهما ، وعنهما وعن قتادة انه الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والبحار ، وعن مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والسدي ان اللّه تعالى أراه ما وراء مسارح الابصار من السماوات والأرض حتى انتهى بصره إلى العرش ، وزاد بعضهم انه أراه خفايا أعمال العباد ومعاصيهم . وليس لهذه الأقوال الأخيرة حجة من الحديث المرفوع وانما استنبطوها فيما يظهر من اسناد الاراءة إلى اللّه عز وجل ، فإنه يدل على عناية خاصة ، واختار ابن جرير مما رواه من تلك الأقوال أنه تعالى أراه من ملكوت السماوات والأرض ما فيهما من الشمس والقمر والشجر