الشيخ محمد رشيد رضا
554
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو المعنوي . وغاية الدين تزكية النفس بمعرفة اللّه وعبادته وما شرعه من الاعمال والآداب للفوز بسعادة الدارين ، وعبادة غير اللّه تعالى ولو بقصد التقرب اليه مدسّ للنفس مفسد لها فلا يوصلها الا إلى لهلاك الأبدي ، والتعبير عنها بالضلال ليس فيه سب ولا جفاء ولا غلظة كما زعم من استشكله من الولد للوالد وقابله بأمر اللّه تعالى لموسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا . وأجاب عنه بأنه حسن للمصلحة كالشدة في تربية الأولاد أحيانا ، ومن استدل به على أن آزر كان عم إبراهيم لا والده . فالصواب أن التعبير بالضلال البين هنا بيان للواقع باللفظ الذي يدل عليه لغة كقوله تعالى ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) وكقولك لمن تراه منحرفا عن الطريق الحسي : إن الطريق من هنا فأنت حائد أو ضال عنه . ومعنى قول إبراهيم لأبيه . إني أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام مثلك في ضلال عن صراط الحق المستقيم بين ظاهر لا شبهة فيه ، فان هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة لكم ، لم تكن آلهة في أنفسها بل باتخاذكم وجعلكم ، ولستم من خلقها وصنعها بل هي من صنعكم ، ولا تقدر على نفعكم ولا ضركم ، وذلك انها تماثيل تنحتونها من الحجارة أو تقتطعونها من الخشب أو تصوغونها من المعدن فأنتم أفضل منها ، ومساوون في أصل الخلقة لمن جعلت ممثلة لهم من الناس ، أو لما صنعت مذكرة به من النيرات ، ولا يليق بالانسان ان يعبد ما هو دونه ولا ما هو مساو له في كونه مخلوقا مقهورا بتصرف الخالق ، ومربوبا فقيرا محتاجا إلى الرب الغني القادر . وقد دلت آثار أولئك القوم التي اكتشفت في العراق على صحة ما عرف في التاريخ من عبادتهم للأصنام الكثيرة حتى كان يكون لكل منهم صنم خاص به سواء الملوك والسوقة في ذلك ، وكانوا يعبدون الفلك ونيراته عامة ، والدراري السبع خاصة ، كما يعلم من قوله تعالى : * * * وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي وكما أرينا إبراهيم الحق في أمر أبيه وقومه وهو انهم كانوا على ضلال بين في عبادتهم للأصنام كنا نريه المرة بعد المرة ملكوت السماوات والأرض ، على هذه الطريقة التي يعرف بها الحق ، فهي رؤية بصرية ، تتبعها رؤية البصيرة العقلية ، وانما قال نريه دون أريناه لاستحضار صورة الحال الماضية التي كانت تتجدد وتتكرر بتجدد رؤية آياته تعالى في ذلك