الشيخ محمد رشيد رضا

553

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما وافقهما وبرد ما خالفهما عملا بقوله تعالى ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) الآية . وقد بينا نصوص القرآن والسنة الصحيحة في مسألة آباء الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكلام بعض علماء السلف والخلف في الاخذ بها من غير تأويل ، فكل ما خالفها فهو مردود وليس من مذهب أهل السنة في شيء هذا - وانني بعد كتابة ما تقدم وجمعه للطبع عثرت بالمصادفة على ما كتبه الآلوسي في مسألة استغفار إبراهيم لأبيه من تفسير سورة الممتحنة فإذا هو مبني على رجوعه عن هفوته التي نقلناها عنه وانتقدناها عليه ، وحملنا ذلك على مراجعة ما كتبه في المسألة من تفسير سورة التوبة فإذا هو مثل الذي في تفسير سورة الممتحنة في بنائه على أن آزر أبو إبراهيم وأنه مات مشركا . وهذا هو اللائق بعلمه واستقلاله في الفهم . وهذا شأن علماء السنة - إذا قال أحدهم قولا ثم ظهر له الدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة على خلافه فإنه يرجع عن قوله اليهما ، سواء كان الدليل من أحدهما أو كليهما ، وهو من الخطأ الذي يغفره اللّه تعالى للمخلصين الأولين ، بل ثبت في الحديث الصحيح ان الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر ، أي أجر الاجتهاد وإذا اجتهد فأصاب كان له أجران أي اجر الاجتهاد وأجر الإصابة . وهذا مما يؤكيد اتقاء الاغترار بقول أي عالم خالف النص أو ما اشتهر عن السلف الصالح رضي اللّه تعالى عنهم ووفقنا للاقتداء بهم * * * وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً هذه الجملة معطوفة على جملة ( قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) وما في حيزها ( وهو آخر حجاج للمشركين في العقائد مبدوء بالامر القولي . وسيعاد هذا الأسلوب في السورة حجاجا في الاحكام العملية أيضا ) والظرف فيها متعلق بفعل عهد حذفه تقديره اذكر ، أي واذكر أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين لقناك ما تقدم من الحجج على بطلان شركهم ، وضلالهم في عبادة ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، ومن بيان هدى اللّه تعالى والاسلام له - اذكر لهم عقب هذا - قصة إبراهيم جدهم الذي يجلونه ويدعون اتباع ملته حين قال لأبيه آزر منكرا عليه وعلى قومه شركهم : أتتخذ أصناما آلهة تعبدها من دون اللّه الذي خلقك وخلقها ، وهو المستحق للعبادة من دونها إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ الضلال العدول عن الطريق الموصل إلى الغاية التي يطلبها العاقل من سيره الحسي « تفسير القرآن الحكيم » « 70 » « الجزء السابع »