الشيخ محمد رشيد رضا

53

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بطريق القياس ، أو بتفسير النبي والصحابة للخمر الشرعية وقد بينا فيما أوردناه آنفا من أسباب النزول انه لم يشق عليهم تحريم شيء كما شق عليهم تحريم الخمر ، وان بعضهم كان يود لو يجد مخرجا من تحريمها كما وجد المخرج من آية البقرة الدالة على تحريم الخمر بتسميتها اثما مع تصريح القرآن قبل ذلك بتحريم الإثم ، ولأجله تركها بعضهم ، وتفصى منه آخرون بتخصيص الإثم بما كان ضررا محضا لا منفعة فيه ، والنص قد أثبت ان في الخمر منافع . وقد اهرقوا ما كان عندهم من الخمر عند الجزم بالنهي عنها كما رأيت وكما ترى بعد ، وقلما كان يوجد عندهم من خمر العنب شيء . فلو كان مسمى الخمر في لغتهم ما كان مسكرا من عصير العنب فقط لما بادروا إلى اهراق ما كان عندهم روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنه قال : نزل تحريم الخمر وان بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها من شراب العنب شيء . وروى احمد والبخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس قال : كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وابيّ بن كعب وسهيل بن بيضاء ونفرا من أصحابه عند أبي طلحة ( هو زوج أم أنس ) حتى كاد الشراب يأخذ منهم فأتى آت من المسلمين فقال : أما شعرتم ان الخمر قد حرمت ؟ فقالوا حتى ننظر ونسأل . فقالوا يا أنس اسكب ما بقي في إنائك ، فو اللّه ما عادوا فيها ، وما هي الا التمر والبسر ، وهي خمرهم يومئذ . هذا لفظ احمد . وزاد أنس في رواية أخرى أبا دجانة ومعاذ ابن جبل في رهبط من الأنصار . وفي روايات الصحيحين انه كان يسقيهم الفضيخ ، وهو شراب البسر والتمر يفضخان أي يشدخان « 1 » وينبذان في الماء ، فإذا اشتد واختمر كان خمرا ، وكان هذا أكثر خمر المدينة كما صرح به انس . وفي رواية لمسلم عنه : كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة - وما شرابهم الا الفضيخ البسر والتمر - فإذا مناد ينادي ، فقال اخرج فانظر ، فخرجت فإذا مناد ينادي : ألا ان الخمر قد حرمت . قال فجرت في سكك المدينة . فقال أبو طلحة : اخرج فأهرقها ، فهرقتها . الحديث نعم قد روى النسائي بسند رجاله ثقات عن ابن عباس مرفوعا « حرمت الخمر قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب » وقد اختلف في وصله وانقطاعه وفي رفعه ووقفه .

--> ( 1 ) الفضخ كسر الشيء الاجوف والشدخ كسر الشيء الرطب ولا جوف وبابهما منع