الشيخ محمد رشيد رضا

54

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وبين النسائي علله ومن خالف فيه . ومعناه على تقدير صحته والاحتجاج به أن الأشربة التي شأنها أن يسكر قليلها وكثيرها محرمة لذاتها بالنص سواء كانت من العنب أو الزبيب أو التمر أو البسر أو غير ذلك ، وأما سائر الأشربة التي ليس من شأنها الاسكار كالنبيذ « 1 » الذي لم يشتد ولم يختمر وهو ما ينبذ من تمر أو زبيب أو غيرهما في الماء حتى ينضح ويحلو ماؤه فشربه حلال ما لم يصل إلى حد الاسكار ، ومن المعلوم ان الأنبذة يسرع إليها الاختمار في بعض البلاد كالحارة وبعض الأواني كالقرع والمزفت ، وأن من الناس من يسكر بها عند أدنى تغير يعرض لها أو إذا أكثر منها وان لم تختمر ، ولأجل هذا اختلف العلماء في النبيذ فذهب الجمهور إلى أنه إذا صار يسكر الكثير منه فشرب القليل منه يكون حراما لسد ذريعة السكر ، وهو انما يسكر كثيره إذا تغير ولو بحموضة قليلة . وذهب بعضهم إلى أنه لا يحرم منه حينئذ الا المقدار المسكر ، لأنه لا يسمى خمرا فيتناوله النص ، فإذا كان ما يشرب منه لم يسكر فلا وجه لقياسه على الخمر ، فان صار بحيث يسكر فهو خمر لغة وشرعا كما هو المتبادر من فهم الصحابة للآية ومن تعليل عمر في خطبته لتسمية الخمر بأنها ما خامر العقل ، أو شرعا فقط ، ودلالة الحقيقة الشرعية أقوى من دلالة الحقيقة اللغوية في الاحكام . وقد قال النبي ( ص ) « كل مسكر خمر وكل مسكر حرام » رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر . وفي رواية لمسلم والدارقطني « كل مسكر خمر وكل خمر حرام » وقد غلط ابن سيده في اقتصاره على قول صاحب العين : الخمر عصير العنب إذا أسكر ، ولعل سبب ذلك ان خمرة العنب كانت كثيرة في زمن تدوين اللغة فظن بعضهم أن الاطلاق ينصرف إليها لكثرتها وجودتها . ونقل الصحيحين والمسانيد والسنن بيان معنى الخمر عن الصحابة أصح من نقل جميع اللغويين للغة ولما لم يجد من اطلع من الحنفية على الأحاديث السابقة ونحوها تفصيا منها للاتفاق على صحة الكثير منها حملوا إطلاق لفظ الخمر فيها على المسكر من غير العنب على مجاز التشبيه كما في فتح القدير ، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري عن ابن

--> ( 1 ) هو ما يسمى في مصر بالخشاف وفي سورية بالنقوع - والصواب النقيع - واما ما يسمى بالنبيذ الآن فهو الخمر المجمع على تحريمها