الشيخ محمد رشيد رضا

547

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما اقترحه كفار مكة على الرسول في سورة الإسراء ( 17 : 94 قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ؟ ) أي فانا لا أقدر على ذلك بصفتي البشرية لأنني مثلكم فيها وليس من شأن الرسول ذلك من حيث هو رسول مبلغ عن اللّه تعالى لولا تقرير هذه القاعدة لما ظهرت حكمة تلك العناية بتكرار ذكر كفر أبي إبراهيم في القرآن الحكيم كالآيات التي في سورة مريم ( 19 : 40 - 48 ) وكذكر أبيه قبل قومه في خبر بعثته في هذه السورة وفي سورة الأنبياء ( 21 : 52 ) الخ وسورة الشعراء ( 26 : 70 ) الخ وسورة الصفات ( 37 : 83 ) الخ وسورة الزخرف ( 43 : 25 ) فمن تأمل هذه الآيات وما في معناها كآية الاستغفار له في سورة براءة ( 9 : 115 ) - وتقدمت آنفا - وقوله تعالى في سورة الممتحنة ( 60 : 3 لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 4 قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) من تأمل ذلك كله جزم بما قلناه وأجدر بنا وقد وفقنا اللّه تعالى إلى إظهار الحق بهذه الشواهد والبينات ، أن ندعو اللّه تعالى بالدعاء المتمم لهذه الآيات ، فنقول ( رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) هذا وان كلام بعض الذين حاولوا إثبات ايمان جميع آباء الخليلين أو جميع الأنبياء وايمان أبي طالب يدور على ما يقابل هذا الأصل وهو الغلو فيهم بدعوى ان كرامتهم تنفع أولي القربى منهم فتكون سببا لهدايتهم إلى الايمان ولا سيما من يسوءهم ويؤذيهم بقاؤه على الكفر ، ومن يدعوهم أو يدعو بعض الصالحين من أتباعهم لجلب النفع أو لكشف الضر ، يظنون أنهم ينالون سعادة الدنيا والآخرة بالتوسل بذواتهم ، لا بما أمر اللّه من اتباعهم ، ومنهم من يعتقد انهم يخرجون من قبورهم ، ويقضون الحوائج التي تطلب منهم بأشخاصهم ، وذلك مصادم لتلك النصوص كلها ولما في معناها من قواعد التوحيد وكون الدعاء عبادة لا يكون الا للّه تعالى ( 17 : 56 قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا 57 أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ