الشيخ محمد رشيد رضا

548

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ ، إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ) وإذا كانت هذه الأمة لم تسلم من وجود أناس قد اتبعوا سنن من قبلهم في الغلو في الأنبياء والصالحين مع هذه النصوص الكثيرة الصريحة في الكتاب والسنة فكيف لو لم توجد هذه النصوص بهذه الصراحة ؟ نعم ان من الناس الراسخين في التوحيد من يحمله حب الرسول عليه صلوات اللّه وسلامه على تقوية كل قول يمكن أن يستنبط منه نجاة أبويه الطاهرين أو جميع أصوله وانما يحسن هذا بشرط أن لا يكون في ذلك تحريف لكلامه أو كلام اللّه تبارك وتعالى ، ولا إخلال بمقاصد الرسالة وأصول الدين ، فان الحب الصحيح للّه ولرسوله الذي هو آية الايمان انما يثبت ويتحقق بالاتباع وإقامة الدين ، ومن يرجح قرابة الرسول على رسالته فإنما حبه له ولهم حب هوى للعصبية والنسب ، لا حب هدى باتباع ما أوجب اللّه على لسانه أو استحب ، وقد كان أبو طالب أشد الناس حبا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عصبية لقرابته ، لا اتباعا لرسالته ، وكل مؤمن يتمنى لو كان آمن به ، كما روي عن الصديق من تفضيل إيمانه على إيمان والده ، ولكن ثبت في صحيح البخاري أنه بعد أن كان أعظم وأقوى ظهير ومانع للرسول ( ص ) من أعدائه لقرابته قد أبى ان يقرعينه عند الوفاة بالنطق بكلمة « لا إله الا اللّه » ولم يمنع ذلك بعض الغلاة من القول باسلامه ، ولا ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين أيضا من حديث أخيه العباس بن عبد المطلب : قال للنبي ( ص ) : ما أغنيت عن عمك فو اللّه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال « هو في ضحضاح من نار ولولا انا لكان في الدرك الأسفل من النار » ورويا من حديث أبي سعيد الخدري انه سمع النبي ( ص ) - وذكر عنده عمه فقال « لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه » فهذا رجاء والذي قبله خبر ، وفي هذا الحديث من الاشكال انه معارض بقوله تعالى ( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ) وما في معناها من الآيات كقوله تعالى في الملائكة والمسيح ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) أي لأهل التوحيد كما روي عن مفسري السلف ، وبحديث عدم نفع شفاعة إبراهيم لأبيه . - ان صح ان يسمى ذلك شفاعة - وأحاديث أخرى .