الشيخ محمد رشيد رضا
546
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كان فيهم رجال صالحون هلكوا فأوحى الشيطان إلى قومهم ان انصبوا إلى مجالسهم أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت ( راجع سورة نوح من كتاب التفسير في صحيح البخاري ) وقد هدم القرآن جميع قواعد شرك العرب وغيرهم من الوثنيين وأهل الكتاب الذين جعلوا مدار السعادة والنجاة على شفاعة أنبيائهم وأوليائهم لا على اتباعهم في الايمان والعمل وفضل اللّه تعالى . ولما كان إبراهيم أعلا البشر مقاما في أنفس العرب - ومقامه الاعلى في الرسل عند أهل الكتاب مقامه - كرر اللّه تعالى في كتابه ذكر كفر والده ، واجتهاده هو في هدايته وعنايته بالاستغفار له ، وان ذلك كله لم يفده شيئا ، وزاد الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فبين لنا ما أطلعه اللّه عليه من عاقبته السوءى في الآخرة ، وذكر أيضا عن أبويه ما علمت من رواية الصحيحين وغيرهما ليعلم الناس أن مدار النجاة في الآخرة على الايمان الصحيح الاذعاني المستلزم للعمل بما جاء به الرسل عليهم السّلام لا بأشخاص الرسل وتأثيرهم الشخصي عند اللّه كتأثير الأقربين والمقربين ، عند الملوك المستبدين ، إذ يحملونهم بالشفاعة أو الاقناع على عفو عن مذنب - أو إحسان إلى غير مستحق ، وهذه هي نظرية الوثنيين في الشفاعة التي نفاها القرآن المجيد ، وأثبت ان الشفاعة للّه جميعا لا يشفع عنده أحد الا من بعد اذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له ، وقد تقدم تفصيل ذلك في تفسير هذه السورة من هذا الجزء وفي غيرها ولا يرد على حصر وظيفة الرسل في التبليغ بالقول والفعل ما يؤيدهم اللّه تعالى به من الآيات فإنها وان كان بعضها يحصل بقول أو فعل منهم لا يصح ان تعد من جملة كسبهم وتصرفهم ولا ان يترتب على ذلك دعاؤهم أحياء وأمواتا بمثلها كابراء الأكمه وإحياء الميت بل هي من تصرف اللّه تعالى وحده سواء منها ما لا دخل لهم فيه بقول ولا فعل كاعجاز القرآن وما يجري عقب قول كقول الرسول للميت « قم باذن اللّه » أو فعل كالقاء موسى لعصاه أو ضربه البحر بها . قال تعالى ( 29 : 50 وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) وهذه الآية نص في الموضوع وفي معناها آيات تقدم بعضها فيما فسرنا من هذه السورة ( الانعام ) وسيأتي في آخر هذا الجزء منها ( قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ) ومما هو بمعناها قوله تعالى بعد حكاية