الشيخ محمد رشيد رضا

52

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فقط . وهو قول ضعيف ، وقيل إن الخمر ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد . وهذا أضعف مما قبله ولا دليل على هذا الحصر من اللغة ولا من الشرع ، وقد بينا ذلك في تفسير آية البقرة ( ص 331 ج 2 ) ومن أحسن ما رد به على أصحاب هذا القول وأخصره قول القرطبي : الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون الا من العنب ، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر . وهو قول مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة ، لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الامر بالاجتناب تحريم كل ما يسكر ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره ، بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه ولم يتوقفوا ولم يستفصلوا ولم يشكل عليهم شيء من ذلك . بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب ، وهم أهل اللسان ، وبلغتهم نزل القرآن ، فلو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا ويتحققوا التحريم . وقد أخرج أحمد في مسنده عن ابن عمر عن النبي ( ص ) قال : « من الحنطة خمر ومن الشعير خمر ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر ومن العسل خمر » وروى أيضا انه خطب عمر على المنبر وقال : ألا ان الخمر قد حرمت وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل . - وهو في الصحيحين وغيرهما - وهو ( أي عمر ) من أهل اللغة اه وقد تعقب هذا بعضهم بأنه يحتمل ان يكون بيانا للاسم الشرعي لا اللغوي ، وهذا التعقيب ضعيف ولا يغنى عن الحنفية شيئا ، لأنهم لا يقولون إن المسكر من غير عصير العنب خمر داخل في عموم الآية شرعا . ووجه ضعفه ان لفظ الخمر ليس اسم لعمل شرعي لم يكن معروفا قبل الشرع فلما جاء به الشرع اطلق عليه كلمة من اللغة تتناوله بطريق المجاز ، بل هو اسم لنوع من الشراب يمتاز عن سائر الأشربة بالاسكار . وهذه التسمية معروفة عنهم قبل نزول ما نزل من الآيات في الخمر . وقد نزلت آية البقرة جوابا عن سؤال سألوه عن الخمر ؛ ولم يقل أحد من مفسري السلف ولا الخلف ولا خطر على بال أحد انهم سألوه ( ص ) عن خمر عصير العنب خاصة ، وانها هي المقصودة بالجواب بأن فيها اثما كبيرا ومنافع للناس ، وان غيرها ألحق بها في التحريم