الشيخ محمد رشيد رضا
504
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الذي بعثه على مكذبي الرسل من الأولين وعلى المتفرقين المختلفين في دينهم من أهل الكتاب ، وجعل ذلك مع ما قبله من حجج القرآن وآياته المثبتة لكونه من عند اللّه ، لا من عند رسوله الأمي الذي لم يكن يعلم شيئا من أخبار الأمم ولا من سنن اللّه في مكذبي الرسل ومتبعيهم ، تلك الآيات التي يرجى لمن تدبرها فقه الأمور وادراك حقائق العلم . وذكر بعد هذا الانذار والبيان تكذيب قريش بالقرآن ، وكون الرسول مبلغا لا خالقا للايمان ، واحالتهم في ظهور صدق انبائه على الزمان . ثم بين في هذه الآيات كيف يعامل الذين يخوضون في آيات اللّه بالباطل من هذه الأمة - أعني أمة الدعوة والذين اتخذوا دينهم هزؤا ولعبا من كفارها الذين لم يجيبوا دعوتها ، بما يعلم منه حكم من يدخل في عموم ذلك ممن أجابوهما ، على نحو ما تقدم في الآيات التي قبلها ، فقال * * * وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ روي عن أبي مالك وسعيد بن جبير وابن جريج وقتادة ومقاتل والسدي ومجاهد في احدى الروايتين عنه ان هذه الآية في المشركين المكذبين الذين كانوا يستهزءون بالقرآن والنبي ( ص ) وروي عن ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن علي ومحمد ابن سيرين انها في أهل الأهواء من المسلمين . وهذا الخلاف مبني على ما تقدم فيما قبلها من كونه يشمل المشركين وغيرهم . فمن قال إن هذه في المشركين فقط فإنما رجح ذلك بمعونة السياق والوقت الذي نزلت فيه الآيات بل السورة كلها في أوائل البعثة ، ومن قال إنها في أهل الأهواء فإنما رجح ذلك بما ورد من الأحاديث المرفوعة في كون الانذار بالعذاب موجها إلى هذه الأمة بجملتها - من أجاب دعوتها ومن لم يجب - وكون تفرقها شيعا يذوق بعضهم بأس بعض أمرا مقضيا مضت به سنة اللّه تعالى فلا مرد له ، والخطاب على الأول للنبي ( ص ) ويشاركه في حكمه كل من بلغه ، وعلى الثاني لكل من يقرأ الآية ويسمعها . والرواية الثانية عن مجاهد انها في أهل الكتاب وهو بعيد إذ لا وجه لتخصيصهم لا من السياق - والسورة مكية - ولا من الاخبار المرفوعة في معناها ، ولكن الخائضين منهم يدخلون في عمومها وأصل الخوض وحقيقته الدخول في الماء والمرور فيه مشيا أو سباحة وجدح السويق أي لتّ الدقيق باللين ، وبستعار لمرور الإبل في السراب ، ووميض البرق في السحاب ،