الشيخ محمد رشيد رضا
505
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وللاندفاع في الحديث والاسترسال فيه ، وللدخول في الباطل مع أهله ، وبهذين المعنيين استعمل في القرآن ، وفسر الخوض هنا على القول الأول بالكفر بالآيات والاستهزاء بها . قال ابن جريج كان المشركون يجلسون إلى النبي ( ص ) يحبون أن يسمعوا منه فإذا سمعوا استهزؤا فنزلت ( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) الآية - قال فجعل إذا استهزؤا قام فحذروا وقالوا لا تستهزؤا فيقوم الخ وقال السدي : كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي ( ص ) والقرآن فسبوه واستهزؤا به فأمرهم اللّه بأن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وقال مقاتل كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي ( ص ) خاضوا واستهزؤا فقال المسلمون لا يصلح لنا مجالستهم تخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا لعيب عليهم ، فأنزل اللّه في ذلك ( وَإِذا رَأَيْتَ ) أي أنزل في أثناء هذه السورة ، وهذا مراد ابن جريج أيضا . وقولهم « نخرج » معناه نقع في الحرج والاثم وفسر الخوض في الآيات على القول الآخر لمفسري السلف بالمراء والجدل والخصومة فيها اتباعا للأهواء ، وانتصارا للمذاهب والأحزاب ، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا ) ونحو هذا في القرآن قال : أمر اللّه المؤمنين بالجماعة ، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة . وأخبرهم انما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين اللّه . وروى عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر قال : لا تجالسوا أهل الأهواء فإنهم الذين يخوضون في آيات اللّه . والصواب من القول في الآية أنها عامة وان المخاطب بها أولا بالذات سيدنا الرسول ( ص ) وكل من كان معه من المؤمنين ، فكل ما ورد عن السلف في تفسيرها صحيح . والمعنى العام الجامع المخاطب به كل مؤمن في كل زمن : « وَإِذا رَأَيْتَ » أيها المؤمن « الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا » المنزلة ، من الكفار المكذبين ، أو من أهل الأهواء المفرقين ، فأعرض عنهم أي انصرف عنهم وأرهم عرض ظهرك ، بدلا من القعود معهم أو الاقبال عليهم بوجهك ، « حتى يخوضوا في حديث غيره » أي غير ذلك الحديث الذي موضوعه الكفر بآيات اللّه والاستهزاء بها من قبل الكفار ، « تفسير القرآن الحكيم » « 64 » « الجزء السابع »