الشيخ محمد رشيد رضا
493
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الرسول - ومثله في هذا كل مخاطب بالقرآن - كيف تصرّف لآيات ولدلائل فنجعلها على أنحاء شتى ، منها ما طريقه الحسّ ، ومنها ما طريقه العقل ، ومنها ما طريقه علم الغيب ، لعلهم يفقهون الحق ، ويدركون كنه الامر ، فان الفقه هو فهم الشيء بدليله وعلته ، المفضي إلى الاعتبار والعمل به ، وانما يرجى تحصيله بتصريف الآيات ، وتنويع البينات فعلم مما تقدم أن هذه الآية عامة وان نزلت في سياق انذار مشركي مكة وإقامة الحجة عليهم ، فالعبرة فيها كغيرها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أو مقتضى السياق كما تقرر في الأصول ، وقد جهل هذا بعض المعممين فأنكروا علينا منذ أول العهد بانشاء ( المنار ) ما كنا نورده في سياق تذكير المسلمين ، من الآيات التي نزلت في المشركين والمنافقين ، ومما يؤيد مسلكنا هذا ما رواه البخاري والنسائي في تفسير هذه الآية من حديث جابر قال : لما نزلت هذه الآية ( قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ) قال رسول اللّه ( ص ) « أعوذ بوجهك » قال ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) قال « أعوذ بوجهك » ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) قال رسول اللّه ( ص ) « هذا أهون أو هذا أيسر » هذا لفظ البخاري في كتاب التفسير من صحيحه ، ووقع في كتاب الاعتصام منه « هاتان أهون أو أيسر » - والشك من الراوي - وانما كانت خصلتا اللبس وإذاقة البأس أهون أو أيسر لان المستعاذ منه قبلها هو عذاب الاستئصال بإحدى الخصلتين الأوليين بأن لا يبقى من الأمة أحد . ويدل على ذلك أحاديث متعددة منها حديث ابن عباس عند أبي بكر ابن مردويه عن النبي ( ص ) قال « دعوت اللّه أن يرفع عن أمتي أربعا فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهما اثنتين : دعوت اللّه أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وأن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع عنهم الخسف والرجم وأبى أن يرفع الآخرين » وفي رواية أخرى عنده عنه - أي ابن عباس - قال : لما نزلت هذه الآية ( قُلْ هُوَ الْقادِرُ . . . ) قام النبي ( ص ) فتوضأ ثم قال « اللهم لا ترسل على أمتي عذابا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم ولا تلبسهم شيعا ولا تذق بعضهم بأس بعض » قال فأتاه جبريل فقال : يا محمد قد أجار اللّه أمتك أن يرسل عليهم عذابا