الشيخ محمد رشيد رضا

494

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من فوقهم أو من تحت أرجلهم . أي ولم يجرهم من العذابين الآخرين لأنه لا بد أن يتبعوا سنن من قبلهم من أهل الكتاب ، ويحل ما حل بهم من عذاب التفرق والخلاف . وذلك مقتضى سنته تعالى في عقاب أتباع الرسل يختلفون في الدين الجامع لكلمتهم فيكونون مذاهب وشيعا ، ويتبع ذلك اختلافهم في السلطة والسياسة أو يتقدمه ، ويترتب عليه التخاصم والاقتتال الذي نعهده ، وهذا معنى قضاء اللّه في حديث ثوبان الذي يأتي قريبا وروى أبو الشيخ عن مجاهد في تفسير الآية أن هذا العذاب عذاب أهل الاقرار وأن العذاب الأول عذاب أهل التكذيب . وأوضح منه ما رواه ابن جرير عن الحسن قال لما نزلت هذه الآية ( قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً ) قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتوضأ فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم ولا يلبس أمته شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل : فهبط اليه جبريل فقال : يا محمد انك سألت ربك أربعا فأعطاك اثنتين . ومنعك اثنتين : لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها ، ولكنهم يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض . وهذان عذابان لأهل الاقرار بالكتب والتصديق بالأنبياء ولكن يعذبون بذنوبهم . وأوحى اللّه اليه ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) يقول من أمتك ( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ ) من العذاب وأنت حي ( فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) فقام نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فراجع ربه فقال « أي مصيبة أشد من أرى أمتي يعذب بعضها بعضا ؟ » وأوحى اليه ( ألم ، أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ) الآيتين فاعلمه ان أمته لم تخص دون الأمم بالفتن وأنها ستبتلى كما ابتليت لأمم ، ثم أنزل عليه ( قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) فتعوذ نبي اللّه فاعاذه اللّه ، لم ير من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة ، ثم أنزل عليه آية حذر فيها أصحاب الفتنة فأخبره انه إنما يخص بها ناس منهم دون ناس فقال ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) فخص بها أقواما من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بعده وعصم بها أقواما اه